حين تنزل الدمعات من ذاكرة الوجع… خالد فولان يكتب الزجل بلسان القلب
في نص زجلي جديد، يفتح الشاعر والزجال المغربي خالد فولان نافذة واسعة على الذاكرة الإنسانية، ويترك للدمعة أن تتحدث حين تعجز الكلمات عن حمل ثقل الخيبة والخذلان. قصيدته «عذروني يا لخيات» ليست مجرد أبيات عن الحزن، بل شهادة وجدانية على زمن تغيّرت فيه العلاقات، وتراجعت فيه قيم الوفاء وصلة الرحم والمحبة بين الناس.
خالد فولان، المعروف بتجربته في الزجل المغربي وارتباطه بالحي المحمدي والصالونات الثقافية، راكم تجربة أدبية في الكتابة التي تستمد مادتها من الحياة اليومية ومن هموم الإنسان البسيط. وقد شارك في ملتقيات شعرية وزجلية، كما أصدر عدداً من الأعمال الزجلية، من بينها «لكلام المعقول» و«الوجه المشروك» و«الميمة».
في مطلع النص، تأتي عبارة «عذروني يا لخيات إلا نزلوا شي دمعات» بمثابة اعتذار شعري عن البكاء. لكنها في العمق ليست دموع ضعف، وإنما دموع إنسان يحمل في داخله تراكمات سنوات من الذكريات والخيبات. فالدمعة هنا تصبح لغة ثانية، لغة لا تحتاج إلى شرح.
وعندما يقول الشاعر إنه بكى «على الماضي واللي فات»، فإنه يستحضر زمناً لا يعود، ويضع القارئ أمام واحدة من أكثر التجارب الإنسانية مرارة: أن يكتشف الإنسان قيمة بعض اللحظات بعد أن تصبح جزءاً من الماضي.
ثم ينتقل النص إلى وجع أكثر قسوة، وجع الخيانة، حين يستحضر صورة من شد الخنجر وطعنه من الظهر. إنها صورة رمزية قوية للغدر؛ فالطعنة ليست جسدية بقدر ما هي طعنة في الثقة، وفي العشرة، وفي الاعتقاد بأن القريب أو الصديق سيكون سنداً في لحظات الشدة.
وفي مقطع آخر، يبكي الشاعر الوفاء والصفاء، وكأن القصيدة تتحول إلى رثاء لقيم إنسانية كانت ذات يوم أساس العلاقات. ويزداد هذا الإحساس حين يتحدث عن شخص ينتظر لحظة سقوط الآخر لكي يتشفى فيه، وعن أعداء بعضهم ظاهر وبعضهم يختبئ خلف الأقنعة.
أما عبارة «بكيت على شوية من بزاف» فتحمل معنى بالغاً في الدلالة؛ فالألم الذي يرويه الشاعر ليس حادثة واحدة، بل حصيلة أشياء كثيرة تراكمت حتى أصبح القليل منها كافياً لاستحضار الكثير. إنها حالة إنسانية يعيشها من أثقلته التجارب حتى صار الخوف جزءاً من ذاكرته.
ومن أجمل التحولات في النص انتقال الشاعر من الخاص إلى العام. فهو لا يبكي فقط على تجربته الشخصية، بل يبكي على الخاوة التي ما بقات، وعلى صلة الرحم التي مشات، وعلى المحبة بين الناس التي ما بقات. وهنا تتحول القصيدة إلى مرآة اجتماعية، ترصد تغير العلاقات الإنسانية وتراجع الدفء الذي كان يجمع الناس.
وتحضر الضحكة أيضاً باعتبارها رمزاً للفرح الغائب. فحين يقول إن الأيام «علينا قصات» وإن الفرحة «من حياتنا تقصات»، فهو يرسم صورة لإنسان أنهكته الحياة حتى أصبح الفرح بالنسبة إليه ذكرى أكثر منه واقعاً.
أما الخاتمة، فهي الأكثر عمقاً ومرارة، حين يقول إن القلب طاب والعمر عينا من الصبر، وإن الإنسان حين يشيب ويكبر في العمر لا يعود ينتظر الكثير من الدنيا. هنا تبلغ القصيدة ذروتها التأملية: العمر يمضي، والصبر له حدود، والإنسان في نهاية المطاف لا يحمل معه إلا ما تركه من أثر وذكرى.
قوة نص «عذروني يا لخيات» لا تكمن في تعقيد اللغة، بل في بساطتها وصدقها. خالد فولان يكتب بلغة قريبة من الناس، لكنها تحمل وراء مفرداتها اليومية أسئلة كبيرة عن الوفاء، والخيانة، والرحم، والصداقة، والفرح، والزمن والموت.
وهذا تحديداً ما يمنح الزجل المغربي قوته؛ أن يتحول الكلام الذي يبدو بسيطاً إلى مرآة لواقع اجتماعي كامل، وأن يجد القارئ نفسه بين سطوره، وكأنه لا يقرأ قصيدة عن شخص آخر، بل يستعيد شيئاً من حكايته الخاصة.
«عذروني يا لخيات… إلا نزلوا شي دمعات» ليست فقط قصيدة بكاء؛ إنها قصيدة وفاء لزمن مضى، وعتاب لزمن تغيّر، ورسالة إنسانية تقول إن بعض الدموع ليست عيباً… بل دليل على أن القلب، رغم كل ما عاشه، ما زال يحتفظ بقدرته على الإحساس.
القصيدة
عذروني
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا
شي دمعات
شحال بكيت على الماضي واللي فات
بكيت على الزهر
وعلى اللي خان العشرة
وبكيت على اللي شد الخنجر
وجاء من وراي وطعني في الظهر
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا شي دمعات
بكيت على الوفاء
والصفاء
وبنادم يتسنى وقتاش
فيك يتشفى
بكيت على عدويا اللي باين واللي في الخفى
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا شي دمعات
بكيت
على شوية من بزاف وكيفاش من ضلي وليت نخاف
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا شي دمعات
على الخاوة اللي ما بقات
وصلة الرحم اللي مشات ما ولات
وعلى المحبة بين الناس
اللي ما بقات
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا شي دمعات
والضحكة عندها الصح
الا غابت
حيت ليام علينا قصات
والفرحة من حياتنا تقصات
عذروني
يا لخيات
الا نزلوا شي دمعات
القلب طاب وعمر
عينا من الصبر
والا بنادم شعرو
شاب وفي عمرو كبر
ما تلى يتاويه غير قبر
شعر... خالد فولان.