طنجة – في خضم التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد والمعرفة وأنماط العمل وصناعة القرار، لم تعد هذه التكنولوجيا مجرد أداة تقنية حديثة، بل أصبحت أحد أبرز محركات التحول العالمي، وواحدة من أهم القضايا التي تفرض نفسها على مستقبل الدول والمجتمعات. وفي هذا السياق المتغير، احتضنت مدينة طنجة المغربية، خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 8 غشت 2026، فعاليات الملتقى العربي الأول للذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال، المنظم تحت شعار: «دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز ريادة الأعمال وبناء القدرات البشرية»، في محطة علمية وفكرية جمعت نخبة من الخبراء والباحثين والفاعلين في مجالات التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال.

وأكدت المنظمة العربية للتنمية الإدارية – جامعة الدول العربية، من خلال برنامج الملتقى، أن هذا الحدث يشكل فضاءً لمناقشة آفاق توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم الشركات الناشئة وريادة الأعمال، وتطوير المهارات المستقبلية، واستعراض التجارب العربية، إلى جانب بحث الأطر التشريعية والأخلاقية المرتبطة بالاستخدام المتزايد لهذه التقنيات.

وفي قلب هذا النقاش العربي المتقدم، برزت مشاركة المهندس حذيفة المعتصم الحسن، الأمين العام لمجلس الشباب العربي والإفريقي، من خلال مداخلة حملت رؤية استراتيجية ذات أبعاد تتجاوز النقاش التقني المباشر حول الذكاء الاصطناعي، لتضع الإنسان والشباب والمعرفة في صميم التحول الرقمي وصناعة المستقبل.

وجاءت مداخلته ضمن أشغال الجلسة الثالثة، يوم الجمعة 7 غشت، تحت عنوان دال وعميق: «نحو شراكة عربية إفريقية لبناء رأس المال البشري والتحول الرقمي وتحقيق التنمية المستدامة»، وهو عنوان يعكس بوضوح فلسفة تقوم على أن التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تصنع تحولاً حقيقياً ما لم يواكبها استثمار جاد في الإنسان، وتأهيل للكفاءات، وتمكين للشباب، وبناء لشراكات قادرة على تحويل المعرفة إلى مشاريع وتأثير وتنمية مستدامة.

وقد اكتسبت هذه المداخلة أهمية خاصة داخل أشغال الملتقى، ليس فقط لارتباطها بأحد أكثر الملفات حضوراً في النقاش العالمي، وإنما لأنها قدمت زاوية عربية إفريقية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لإعادة بناء منظومات التنمية، وليس مجرد سباق تقني نحو امتلاك أحدث الأدوات والأنظمة.

فالرهان، كما تبرزه الرؤية التي حملتها المداخلة، لا ينبغي أن يتوقف عند اقتناء التكنولوجيا أو استهلاك الحلول الرقمية الجاهزة، وإنما يتعين أن ينتقل إلى بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتوظيفها لخدمة مجتمعاته. ومن هنا يبرز مفهوم رأس المال البشري باعتباره جوهر التحول المنشود، لأن امتلاك التكنولوجيا لا يضمن وحده امتلاك المستقبل، بينما امتلاك المعرفة والمهارات والقدرة على الابتكار يمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة رقمية مستدامة.
وفي هذا الإطار، تكتسب مداخلة المهندس حذيفة المعتصم الحسن بعداً استراتيجياً لافتاً، كونها تربط بصورة مباشرة بين الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والشباب، والتنمية المستدامة، ضمن رؤية متكاملة تجعل الإنسان نقطة الانطلاق والغاية في آن واحد.

ومن موقعه أميناً عاماً لمجلس الشباب العربي والإفريقي، حمل المهندس حذيفة إلى هذا المحفل العربي صوتاً يؤكد أن الشباب لا ينبغي أن ينظر إليهم باعتبارهم مجرد فئة ستواجه تحديات وظائف المستقبل، بل باعتبارهم قوة فاعلة في إنتاج هذا المستقبل وصياغته. فالشباب العربي والإفريقي يمتلك طاقات واسعة في الابتكار وريادة الأعمال والتكنولوجيا، ويحتاج قبل كل شيء إلى منظومات داعمة تمنحه المعرفة والأدوات والفرص والمساحات التي تسمح له بتحويل أفكاره إلى مشاريع وحلول ذات أثر اقتصادي واجتماعي.

وتبرز هنا القيمة النوعية للمداخلة، التي لم تتعامل مع التحول الرقمي باعتباره مساراً تقنياً معزولاً، وإنما ربطته بقضية أوسع تتمثل في بناء قدرات بشرية قادرة على مواكبة التحولات العالمية. فالتعليم والتكوين والبحث العلمي والابتكار والمهارات الرقمية ليست ملفات منفصلة عن الذكاء الاصطناعي، بل تمثل البنية الأساسية التي ستحدد قدرة المجتمعات العربية والإفريقية على الاستفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة.

كما أن الدعوة إلى شراكة عربية إفريقية في هذا المجال تحمل دلالات تتجاوز التعاون التقليدي، نحو بناء فضاء مشترك للمعرفة والابتكار والاستثمار في الكفاءات. فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد تتحول فيه البيانات والمهارات والتكنولوجيا إلى عناصر أساسية في القوة والتنافسية، الأمر الذي يجعل التعاون بين الدول العربية والإفريقية في مجالات الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والتكوين والبحث العلمي خياراً استراتيجياً قادراً على فتح آفاق جديدة أمام الأجيال المقبلة.

وتكمن أهمية هذه الرؤية كذلك في أنها تسعى إلى الانتقال من مفهوم التعاون إلى مفهوم الشراكة المنتجة؛ شراكة تقوم على تبادل الخبرات، وتشجيع الشركات الناشئة، وتطوير المشاريع المشتركة، وخلق فرص أمام الشباب، وربط الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، بما يسمح بتحويل الإمكانات البشرية الهائلة في العالم العربي وإفريقيا إلى قيمة مضافة حقيقية.

ومن هذه الزاوية، تبدو مداخلة المهندس حذيفة المعتصم الحسن أكثر من مجرد مساهمة في نقاش مؤتمر؛ إنها تعبير عن رؤية تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُصنع بالمعرفة والاستثمار في الإنسان والقدرة على بناء الجسور بين التجارب والكفاءات.

كما أن ربط الذكاء الاصطناعي بالتنمية المستدامة يضيف بعداً بالغ الأهمية إلى هذه الرؤية، لأن التكنولوجيا لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة عن حاجات الإنسان والمجتمع. قيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على تحسين جودة الحياة، وتطوير الخدمات، ودعم التعليم، وخلق فرص العمل، وتحفيز الابتكار، وتعزيز الاقتصاد، والمساهمة في معالجة التحديات الاجتماعية والبيئية والتنموية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في رأس المال البشري يصبح استثماراً في الأمن الاقتصادي والمعرفي للمستقبل. فالدول التي ستنجح في إعداد أجيال تمتلك مهارات التفكير النقدي والرقمية والابتكار وريادة الأعمال ستكون أكثر قدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي من تحدٍ محتمل إلى فرصة تاريخية.

ولعل اختيار طنجة لاحتضان هذا النقاش يمنح المداخلة رمزية خاصة؛ فهذه المدينة المغربية التي تشكل نقطة التقاء بين فضاءات حضارية وجغرافية متعددة، بدت خلال هذا الملتقى فضاءً مناسباً لطرح أسئلة تتجاوز الحدود، وتفتح النقاش حول مستقبل التعاون العربي والإفريقي في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة.

ومن طنجة، اكتسبت دعوة المهندس حذيفة المعتصم الحسن إلى بناء شراكة عربية إفريقية في مجالات رأس المال البشري والتحول الرقمي والتنمية المستدامة معنى خاصاً، لأنها تضع التعاون بين الشعوب والمؤسسات والكفاءات أمام أفق جديد، عنوانه المعرفة، وأداته التكنولوجيا، وهدفه الإنسان.

إن قوة هذه المداخلة تكمن في قدرتها على إعادة ترتيب الأولويات: فقبل الحديث عن الآلات والخوارزميات، هناك الإنسان؛ وقبل الحديث عن التطبيقات والمنصات، هناك المعرفة؛ وقبل الحديث عن الاقتصاد الرقمي، هناك جيل من الشباب يحتاج إلى التأهيل والثقة والفرص؛ وقبل الحديث عن المنافسة العالمية، هناك حاجة إلى بناء شراكات عربية إفريقية قادرة على إنتاج الحلول والمعرفة بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.

وبهذا المعنى، حمل المهندس حذيفة المعتصم الحسن من طنجة رسالة تحمل الكثير من الاعتزاز بالأجيال العربية والإفريقية وقدرتها على الحضور في صناعة المستقبل، ورسالة تؤكد أن الشباب ليسوا على هامش التحول، بل في قلبه، وأن بناء الإنسان يجب أن يظل الرهان الأكبر في أي مشروع للتحول الرقمي.

لقد جاءت مشاركته في هذا الملتقى العربي في لحظة مفصلية تتشكل فيها ملامح اقتصاد جديد، وتُعاد فيها صياغة سوق العمل، وتتغير فيها طبيعة المعرفة والإنتاج والابتكار. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الأصوات التي تضع الإنسان في قلب التكنولوجيا أكثر أهمية، لأنها تذكّر بأن التقدم الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة الآلة، وإنما بقدرة الإنسان على توجيهها نحو الخير والتنمية وبناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة.

ومن طنجة، لم تكن مداخلة المهندس حذيفة المعتصم الحسن مجرد حديث عن الذكاء الاصطناعي، بل كانت رؤية لمستقبل عربي إفريقي أكثر تكاملاً، عنوانه الإنسان، ومرتكزه الشباب، وقوته المعرفة، وأداته التحول الرقمي، وأفقه التنمية المستدامة.

وهي رؤية تختصر في جوهرها سؤالاً كبيراً يفرض نفسه على العالم العربي وإفريقيا اليوم: هل نكتفي بأن نكون مستهلكين لتكنولوجيا المستقبل، أم نمتلك القدرة على أن نكون شركاء حقيقيين في صناعتها وتوجيهها؟
ومن خلال مداخلته، بدا الجواب واضحاً: الطريق يبدأ بالإنسان، ويمر عبر المعرفة، ويتعزز بالشراكة، وينتهي بصناعة مستقبل يشارك الشباب العربي والإفريقي في صياغته، لا أن يكونوا مجرد متلقين لنتائجه.

Image description
Image description