بقلم: المستشار الدكتور خالد السلامي

بين التكريم الحقيقي وسوق الألقاب
كان التكريم عبر التاريخ أحد أسمى صور الاعتراف بالإنجاز، ورسالة احترام توجهها المؤسسات والمجتمعات إلى أصحاب العطاء الحقيقي، ممن صنعوا فرقاً بعلمهم أو أعمالهم أو مبادراتهم أو إسهاماتهم الإنسانية. ولم يكن الدرع يوماً هو القيمة، بل كان رمزاً لقيمة أكبر اسمها الاستحقاق.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت بروز ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية، تتمثل في انتشار بعض الفعاليات التي يختلط فيها التكريم بالتسويق، والاعتراف بالإنجاز بالمقابل المالي، حتى أصبح من المشروع أن نتساءل: هل ما زالت جميع الجوائز تُمنح وفق معايير موضوعية، أم أن بعضها أصبح يخضع لاعتبارات الرعاية والرسوم وباقات المشاركة؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في جميع الجوائز، فهناك مؤسسات عريقة تحافظ على أعلى درجات النزاهة والشفافية، وتضم لجان تحكيم مستقلة، وتخضع لمعايير دقيقة في الاختيار. لكن في المقابل، ظهرت ممارسات تفرض على المجتمع أن يناقشها بصراحة، حمايةً لقيمة التكريم، لا انتقاصاً منها.

* عندما يصبح الإنجاز سلعة

تكمن خطورة الظاهرة في أنها لا تبيع منتجاً عادياً، بل تبيع الاعتراف المعنوي. فبدلاً من أن يبحث منظمو بعض الجوائز عن أصحاب الإنجازات، أصبحوا يبحثون عن القادرين على الدفع، أو عن الرعاة، أو عن المشترين لباقات الظهور الإعلامي.

وفي مثل هذه الحالات، يفقد التكريم رسالته الأخلاقية، ويتحول إلى خدمة تجارية مغلفة بعبارات براقة عن الريادة والتميز والعالمية، بينما تغيب الأسئلة الجوهرية: من اختار الفائز؟ وعلى أي أساس؟ وأين المعايير؟ ومن هم أعضاء لجنة التحكيم؟

* الضحية الأولى... أصحاب الإنجاز الحقيقي

أكبر المتضررين من هذه الممارسات ليس الجمهور فقط، بل المبدعون الحقيقيون الذين أفنوا سنوات في العمل والاجتهاد. فعندما يقف المستحق وغير المستحق على المنصة نفسها، ويتساوى من صنع أثراً بمن اشترى فرصة الظهور، تتراجع قيمة الإنجاز، ويصبح التكريم نفسه محل شك.

وهنا لا يخسر شخص واحد، بل تخسر منظومة القيم بأكملها، لأن المجتمع يبدأ بفقدان ثقته في الجوائز والألقاب، ويصبح كل تكريم بحاجة إلى إثبات نزاهته.

* الألقاب لا تصنع القادة

لا يصنع لقب "شخصية العام" قائداً، ولا تجعل عبارة "سفير السلام" الإنسان أكثر تأثيراً، إذا لم تسندها أعمال حقيقية وإنجازات موثقة.

فالقيادة تُقاس بما يتركه الإنسان من أثر، لا بعدد الدروع التي يحملها، والتاريخ لا يحتفظ بصور حفلات التكريم، بل يحتفظ بما قدمه أصحابها للناس.

* الشفافية... أساس المصداقية

أي جائزة تحترم نفسها ينبغي أن تعلن معاييرها بوضوح، وأن تكشف عن أعضاء لجان التحكيم، وأن تفصل بصورة كاملة بين الرعاية التجارية وقرارات الفوز، وأن تتيح للجمهور معرفة أسباب اختيار الفائزين.

فالشفافية ليست خياراً تجميلياً، بل هي الضمانة الأساسية لبقاء قيمة الجائزة واحترامها.

أما عندما تغيب هذه العناصر، وتبقى الأسئلة بلا إجابات، فإن الشك يصبح أمراً طبيعياً، مهما بلغت فخامة الحفل أو جمال المنصة.

* مسؤولية الإعلام والمجتمع

الإعلام المهني لا يكتفي بنشر بيانات التكريم، بل يتحقق من طبيعة الجائزة ومصداقية الجهة المانحة، لأن نشر الأخبار دون تدقيق قد يمنح شرعية لممارسات تفتقر إلى الشفافية.

كما أن على المؤسسات والأفراد أن يتحققوا من قيمة الجوائز قبل إدراجها في السير الذاتية أو استخدامها بوصفها دليلاً على التميز.

فليست كل شهادة إنجازاً، وليست كل جائزة دليلاً على التفوق.

* نحو ثقافة تكريم تستحق الاحترام

المطلوب ليس إلغاء الجوائز، بل حمايتها. وليس مهاجمة المنظمين، بل تشجيعهم على الالتزام بالمعايير التي تمنح جوائزهم قيمتها الحقيقية.

إننا بحاجة إلى ميثاق أخلاقي يقوم على مبادئ واضحة: شفافية كاملة، ولجان مستقلة، ومعايير معلنة، وفصل تام بين الرعاية التجارية وقرارات الفوز، حتى يبقى التكريم عنواناً للجدارة لا وسيلة للتسويق.

* خاتمة

تبقى الجوائز الحقيقية عنواناً للتقدير الصادق، بينما تظل الألقاب التي لا تستند إلى استحقاق مجرد بريق مؤقت سرعان ما يخفت.
فالمجد لا يُشترى، والإنجاز لا يُصنع على المنصات، والاحترام لا تمنحه الدروع، بل تمنحه الأعمال التي تترك أثراً في حياة الناس.
ولذلك، فإن الدفاع عن نزاهة الجوائز ليس دفاعاً عن درع أو شهادة، بل دفاع عن قيمة العمل، وعن حق أصحاب الإنجاز الحقيقي في أن يبقى التكريم عنواناً للجدارة، لا ثمناً يُدفع، ولا صفقة تُبرم، ولا لقباً يُقتنى.
وحين تعود المعايير إلى مكانها، يستعيد التكريم هيبته، وتستعيد الجوائز رسالتها، ويعود المجد إلى أصحابه الحقيقيين... أولئك الذين كتبوا أسماءهم بعرق العمل، لا بإيصالات الدفع.