بقلم: الدكتورة سومية حكيم
باحثة في هندسة المعرفة الإسلامية وقضايا الأسرة والتحول الرقمي

لم تعد الأسرة في العصر الرقمي تواجه مجرد وسائل ترفيه أو أدوات تواصل حديثة، بل أصبحت تتعامل مع منظومة خوارزمية معقدة تمتلك قدرة غير مسبوقة على تحليل السلوك الإنساني وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الاهتمامات بل والمساهمة في بناء التصورات والقناعات بصورة تدريجية وغير مباشرة. فلم يعد تأثير التقنية مقتصرًا على ما تعرضه الشاشات، وإنما امتد إلى الطريقة التي يفكر بها الإنسان وإلى الكيفية التي يتخذ بها قراراته ويعيد ترتيب أولوياته.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأسرة اليوم لم يعد: كيف نمنع أبناءنا من استخدام التقنية؟ وإنما: كيف نبني إنسانًا يمتلك حصانة معرفية تجعله قادرًا على استخدام التقنية دون أن يقع أسيرًا لتوجيهاتها الخفية؟

إن هذا التحول يفرض علينا إعادة النظر في مفهوم التربية ذاته. فقد كانت التربية التقليدية تركز على نقل المعرفة وتقويم السلوك، بينما أصبح المطلوب اليوم بناء الوعي النقدي، وتنمية القدرة على التمييز، وتعزيز مهارات التحقق من المعلومات وإدراك آليات عمل الخوارزميات التي تقترح المحتوى وتعيد إنتاجه وفق أنماط تفضيلات المستخدم.

وقد بين عالم الاقتصاد والإدارة هربرت سايمون أن «وفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة الانتباه»، وهي حقيقة تتجلى بوضوح في العصر الرقمي؛ إذ أصبحت المنصات الرقمية تتنافس على استقطاب انتباه الإنسان بوصفه المورد الأكثر قيمة، حتى غدا الانتباه سلعة تتنافس عليها الخوارزميات أكثر من تنافسها على تقديم المعرفة.

ومن هذا المنطلق يبرز مفهوم الأمن المعرفي للأسرة بوصفه أحد أهم رهانات المستقبل. فكما تحرص الدول على أمنها الغذائي والسيبراني، فإن الأسرة مطالبة بحماية بيئتها الفكرية من الاختراقات الناعمة التي تستهدف القيم والاتجاهات وأنماط التفكير.

إن أخطر ما تفعله الخوارزميات ليس جمع البيانات فحسب، بل قدرتها على بناء «فقاعات معرفية» تجعل الإنسان يرى العالم من زاوية واحدة، ويستهلك الأفكار التي تؤكد قناعاته دون أن يتعرض للرؤى المخالفة. وهنا تتأكد أهمية الحوار الأسري بوصفه فضاءً للتفكير المشترك، لا مجرد وسيلة للتوجيه أو إصدار التعليمات.

وتؤكد نظرية التعلم الاجتماعي للعالم ألبرت باندورا أن الإنسان يكتسب جانبًا كبيرًا من سلوكه عبر الملاحظة والتقليد. وإذا كانت المنصات الرقمية تقدم للأبناء نماذج سلوكية بصورة متكررة، فإن مسؤولية الأسرة تتمثل في تقديم نماذج واقعية أكثر حضورًا وتأثيرًا، لأن التربية بالممارسة أبلغ من التربية بالموعظة.

ومن زاوية أخرى، يرى ليف فيغوتسكي أن التعلم يتشكل داخل التفاعل الاجتماعي، وهو ما يجعل الحوار داخل الأسرة، والمناقشة والاستماع والمشاركة في اتخاذ القرار، أدوات أساسية لبناء شخصية قادرة على التفكير المستقل لا مجرد متلقية للمحتوى الرقمي.

ولا يقف المنظور الإسلامي بعيدًا عن هذه الرؤية؛ فالقرآن الكريم أسس لمنهج معرفي يقوم على التثبت والنقد وإعمال العقل، قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا? [الحجرات: 6]، وقال سبحانه: ?وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ? [الإسراء: 36].

وهي مبادئ تؤكد أن التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء الأخبار، والتفكير قبل إصدار الأحكام، ليست مفاهيم حديثة، وإنما قيم أصيلة في البناء الحضاري الإسلامي.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خصمًا للأسرة، بل باعتباره أداة يمكن أن تسهم في التعلم والإبداع وتنمية المهارات، إذا أحسن توظيفها ضمن إطار قيمي وأخلاقي.

وقد أكدت منظمة اليونسكو في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) ضرورة أن يظل الإنسان محور تطوير هذه التقنيات واستخدامها بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويعزز المسؤولية المجتمعية.

ولعل الأسرة اليوم بحاجة إلى ميثاق رقمي غير مكتوب، يقوم على مبادئ واضحة، منها: تقديم الحوار على المنع، وترسيخ التفكير النقدي قبل الاستهلاك الرقمي، وتعزيز الإنتاج المعرفي بدل الاكتفاء بالاستهلاك، وربط الاستخدام التقني بالقيم والأخلاق والمسؤولية.

إن المستقبل لن يكون للأسر التي تمتلك أحدث الأجهزة، بل للأسر التي تمتلك القدرة على إدارة المعرفة، وتنظيم الانتباه، وصناعة الوعي. فالتقنية ستتطور بوتيرة متسارعة، أما الوعي فهو وحده القادر على توجيه هذا التطور نحو خدمة الإنسان.

وفي المحصلة، فإن معركة العصر ليست بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإنما بين الإنسان القادر على قيادة الخوارزميات، والإنسان الذي تقوده الخوارزميات دون أن يشعر.

ومن هنا فإن الأمن المعرفي للأسرة لم يعد خيارًا تربويًا، بل أصبح ضرورة حضارية، واستثمارًا استراتيجيًا في بناء الإنسان، وحماية الهوية، وصناعة مستقبل أكثر توازنًا في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

* المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير.

الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات.

مالك بن نبي. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.

محمد الدريج. مدخل إلى علوم التربية.

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة (المغرب). القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، 2021.

ألبرت باندورا. نظرية التعلم الاجتماعي، 1977.

ليف فيغوتسكي. العقل في المجتمع، 1978.

هربرت أ. سايمون. تصميم المنظمات في عالم غني بالمعلومات، 1971.

ماكسويل مكومبس ودونالد شو. وظيفة ترتيب الأولويات لوسائل الإعلام، 1972.