تمكين المرأة في صناعة السياسات الطاقية: السبل والتحديات
أصبحت صناعة السياسات الطاقية في العقود الأخيرة إحدى القضايا الاستراتيجية الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدول، بعدما تجاوزت الطاقة مفهومها التقليدي بوصفها مورداً اقتصادياً لتصبح ركيزة أساسية للأمن القومي، والتنمية المستدامة، والاستقرار الجيوسياسي، والعدالة الاجتماعية، ومواجهة التغيرات المناخية. وقد فرضت التحولات العالمية المتسارعة، المتمثلة في الانتقال نحو الطاقات المتجددة، والحياد الكربوني، والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، إعادة صياغة السياسات الطاقية وفق مقاربات أكثر شمولية تستند إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة، وإشراك مختلف الفاعلين في عملية صنع القرار.
وفي هذا السياق، برزت قضية تمكين المرأة في صناعة السياسات الطاقية باعتبارها إحدى القضايا الجوهرية التي لم تعد ترتبط فقط بتحقيق المساواة بين الجنسين، وإنما أصبحت مدخلاً أساسياً لتعزيز جودة السياسات العمومية، ورفع كفاءة منظومات الطاقة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. فالتجارب الدولية أثبتت أن التنوع داخل المؤسسات وصنع القرار ينعكس إيجاباً على جودة التخطيط الاستراتيجي، ويؤدي إلى تبني حلول أكثر ابتكاراً واستدامة، كما أن المرأة أثبتت قدرتها على القيادة والإبداع في مجالات البحث العلمي، والهندسة، وريادة الأعمال، والاقتصاد الأخضر، والحوكمة البيئية،
الأمر الذي يجعل مشاركتها في رسم السياسات الطاقية ضرورة تنموية وليست مجرد استجابة لمطالب حقوقية أو اجتماعية. ورغم ما تحقق من تقدم على المستوى الدولي في مجال تمكين المرأة، فإن حضورها داخل المؤسسات المعنية بصناعة القرار الطاقي لا يزال محدوداً مقارنة بحجم التحديات التي يشهدها القطاع، حيث تستمر مجموعة من العوامل القانونية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الحد من وصولها إلى مواقع القيادة وصنع القرار، إضافة إلى ضعف فرص الولوج إلى التكوين المتخصص في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، ومحدودية الاستفادة من التمويل والبحث العلمي،
واستمرار بعض الصور النمطية التي تنظر إلى قطاع الطاقة باعتباره مجالاً تقنياً يقتصر على الرجال، وهو ما يحرم الدول من الاستفادة الكاملة من الكفاءات النسائية القادرة على تقديم رؤى جديدة لمعالجة القضايا الطاقية المعقدة. ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل التحديات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وما تفرضه من ضرورة إعادة بناء السياسات الطاقية على أسس أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات، وهو ما يتطلب توسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار والاستفادة من مختلف الخبرات والكفاءات دون تمييز. ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المرأة في صناعة السياسات الطاقية ينبغي أن يقوم على رؤية شمولية تتجاوز التمكين الاقتصادي التقليدي، لتشمل التمكين العلمي والمؤسساتي والتكنولوجي والقيادي،
من خلال تطوير منظومات التعليم والتكوين في تخصصات الطاقة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وتوفير بيئات عمل عادلة ومحفزة، وتعزيز مشاركة النساء في مراكز التفكير، والهيئات التنظيمية، والمؤسسات الحكومية، والشركات العاملة في قطاع الطاقة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال النسائية في مجالات الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة والاقتصاد الأخضر. كما أن نجاح هذا التمكين يقتضي تطوير سياسات عمومية تراعي البعد الجندري عند إعداد الاستراتيجيات الطاقية، وإرساء آليات لقياس مؤشرات مشاركة المرأة في مختلف مستويات صناعة القرار، باعتبار أن ما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره أو تقييمه بصورة موضوعية.
وفي هذا الإطار، يكتسب البحث العلمي دوراً محورياً في إنتاج المعرفة القادرة على دعم صناع القرار، واقتراح النماذج الجديدة لتطوير الحوكمة الطاقية، وهو ما دفعني، انطلاقاً من تخصصي في استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية، إلى الاهتمام بهذا المجال منذ سنوات، حيث شكلت أطروحة الدكتوراه التي أنجزتها سنة 2018 حول الطاقات المتجددة وغير المتجددة والتحول الطاقي إحدى الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي أسهمت في إثراء النقاش العلمي حول قضايا الطاقة، واستفاد منها عدد من الباحثين وطلبة الدراسات العليا والجامعات والمراكز البحثية.
كما واصلت هذا المسار من خلال تطوير مفهوم الذكاء الطاقي النسقي باعتباره إطاراً علمياً واستراتيجياً جديداً يهدف إلى إعادة هندسة السياسات الطاقية عبر دمج التفكير النسقي والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوكمة متعددة المستويات، بما يسمح بإنتاج سياسات أكثر استباقية وكفاءة وعدالة واستدامة.
وانطلاقاً من هذا التصور، فإن تمكين المرأة لا ينبغي أن يقتصر على زيادة نسب مشاركتها داخل المؤسسات، وإنما يجب أن يمتد إلى تمكينها من الإسهام في إنتاج المعرفة وصياغة الرؤى الاستراتيجية وقيادة التحولات الطاقية المستقبلية، لأن المرحلة الراهنة لم تعد تحتاج إلى مشاركة شكلية بقدر ما تحتاج إلى مساهمة نوعية في بناء السياسات واتخاذ القرار وإدارة المخاطر واستشراف المستقبل.
ومن ثم، فإن تعزيز حضور المرأة في صناعة السياسات الطاقية يمثل استثماراً في رأس المال البشري والمعرفي، ويعزز قدرة الدول على تحقيق الأمن الطاقي، وتسريع الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة في ظل التحديات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة.
كما أن تحقيق هذا الهدف يستدعي إرادة سياسية واضحة، وإصلاحات تشريعية ومؤسساتية، وبرامج للتكوين والقيادة، وشراكات بين الحكومات والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن بناء منظومة طاقية أكثر شمولاً وابتكاراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل، ويجعل المرأة شريكاً كاملاً في رسم معالم السياسات الطاقية الوطنية والدولية، باعتبارها فاعلاً استراتيجياً في تحقيق التنمية المستدامة وصناعة مستقبل الطاقة.