في مشهد استثنائي امتزجت فيه أصالة التراث بروح الإبداع، خطفت الشاف المغربية نادية العبدية الأنظار بمدينة آسفي، بعدما قادت فريقًا كبيرًا من الطهاة والطاهيات لإعداد قصرية عملاقة من طبق «التريد» (الرفيسة)، في واحدة من أبرز المحطات التي شهدتها الدورة الثالثة من المهرجان الدولي للطبخ العريق، وسط حضور نخبة من الطهاة والخبراء والمهتمين بفنون الطهي من المغرب وعدد من دول العالم.

ولم يكن الحدث مجرد عرض للطهي، بل تحول إلى رسالة حضارية تؤكد أن المطبخ المغربي ليس مجرد وصفات متوارثة، بل هو تراث ثقافي حي يحمل في تفاصيله تاريخًا وهويةً وذاكرةً جماعية، ويستحق مكانته بين أعظم مطابخ العالم، باعتباره أحد أهم روافد الهوية المغربية.

وقد أشرفت الشاف نادية العبدية على هذا الإنجاز الكبير الذي تطلب تعبئة إمكانات بشرية ولوجستية ضخمة، حيث شارك أكثر من 150 شيفًا وشيفة من المغرب وخارجه في إعداد القصرية العملاقة، باستعمال أكثر من طن من «التريد»، وما يقارب خمسة آلاف قطعة من المسمن، وأكثر من 200 دجاجة، في لوحة جماعية جسدت روح التعاون والإبداع والإتقان التي يتميز بها فن الطبخ المغربي الأصيل.

ولسنوات، عُرفت نادية العبدية بإسهاماتها في التعريف بالمطبخ المغربي داخل المملكة وخارجها، من خلال مشاركاتها في المهرجانات والبرامج والملتقيات المتخصصة، حيث جعلت من الحفاظ على الوصفات التقليدية وتقديمها بأسلوب عصري رسالة مهنية وثقافية، عززت حضورها في الساحة الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية في عالم فنون الطهي المغربي.

وجاء هذا الإنجاز ضمن فعاليات الدورة الثالثة للمهرجان الدولي للطبخ العريق بمدينة آسفي، الذي رفع شعار «المطبخ المغربي... ذاكرة وطن ونكهة حضارة»، وسعى إلى تثمين التراث الغذائي المغربي، وتشجيع نقل الخبرات بين الأجيال، وإبراز التنوع الغني الذي تزخر به المائدة المغربية، بمشاركة طهاة وباحثين ومهتمين من داخل المغرب وخارجه.

ولم تكن القصرية العملاقة مجرد رقم قياسي أو إنجاز استثنائي، بل كانت احتفالًا حقيقيًا بالهوية المغربية ورسالة تؤكد أن المطبخ المغربي قادر على الجمع بين الأصالة والابتكار، وأن مدينة آسفي أصبحت محطة دولية للاحتفاء بفنون الطبخ والتراث اللامادي، بفضل جهود جميع الشركاء والمؤسسات الداعمة والفاعلين في هذا المجال.

وقد أسدل الستار على هذه الدورة وسط إشادة واسعة بنجاحها التنظيمي والجماهيري، بعدما استقطبت آلاف الزوار، ونجحت في جمع نخبة من الطهاة والخبراء والمهتمين في تظاهرة أكدت أن العمل الجماعي قادر على تحقيق إنجازات استثنائية، وأن المطبخ المغربي يواصل ترسيخ مكانته سفيرًا للثقافة المغربية في مختلف المحافل الدولية.

وفي ختام هذه التظاهرة، وجهت الشاف نادية العبدية رسالة شكر مؤثرة لكل من ساهم في إنجاح هذا العرس التراثي، معبرة عن امتنانها العميق للسيد عامل إقليم آسفي على دعمه واهتمامه بالمهرجان، ولـالمجلس الإقليمي باعتباره شريكًا أساسيًا في إنجاح المشروع، كما تقدمت بالشكر إلى المجلس الجماعي لمدينة آسفي، والمجمع الشريف للفوسفاط، وإلى شركة ضامتي أديال الداعمة للمهرجان، مثمنةً ثقتهم وإيمانهم بأهمية هذا الحدث في إبراز الإشعاع الثقافي والسياحي لمدينة آسفي.

كما خصّت بالشكر جميع الشيفات والطهاة المغاربة والأجانب الذين لبّوا الدعوة، وأعضاء لجنة التحكيم، والمتطوعين، وكافة الشركاء، والمنابر الإعلامية الوطنية والمحلية التي واكبت المهرجان بكل مهنية، إلى جانب كل من ساهم، من قريب أو بعيد، في إنجاح هذا الموعد الدولي.

واختتمت نادية العبدية كلمتها برسالة إنسانية مؤثرة قالت فيها إن نجاح المهرجان لم يكن نجاح شخص واحد، بل نجاح مدينة، ونجاح فريق، ونجاح كل من آمن بأن العمل الجماعي يصنع الفارق، مضيفة: «من أعماق القلب... شكرًا لكم جميعًا على حضوركم، ودعمكم، وثقتكم. ورغم كل ما كان يعتصر قلبي من ألم، فإن إسعاد الناس وخدمة مدينتي كانا عهدًا قطعته على نفسي، وسأبقى أوفي به ما حييت، بإذن الله.»

وبهذا الإنجاز، تؤكد الشاف نادية العبدية مرة أخرى أن الإبداع الحقيقي لا يقاس فقط بما يُقدَّم فوق الموائد، بل بما يتركه من أثر في الذاكرة الجماعية، وبقدرته على تحويل طبق مغربي أصيل إلى رسالة حضارية تعبر الحدود، وتعكس للعالم غنى التراث المغربي وأصالته.