ليست كل القصائد تُكتب من أجل الجمال اللغوي فقط، فبعضها يولد من رحم التجربة، ويحمل بين سطوره رسائل إنسانية عميقة تتجاوز حدود الشعر لتلامس الوجدان. وهذا ما نجده بوضوح في قصيدة الشاعر خالد فولان، التي جاءت في قالب عتاب رقيق، لكنه يحمل في جوهره دعوة صادقة إلى مراجعة الذات، وإصلاح ما أفسدته الأيام قبل أن يصبح الندم بلا جدوى.

يفتتح الشاعر قصيدته بنداء يفيض بالألم والرجاء في آن واحد، وكأنه يمنح الطرف الآخر فرصة أخيرة للتأمل وإعادة النظر في مساره، قبل أن يغلق الزمن أبوابه. فالقصيدة لا تهاجم، ولا تنتقم، بل تذكر بحقيقة الحياة، وأن الإنسان مهما طال به العمر، فإنه سيقف يوماً أمام حصيلة أفعاله.

ويؤكد الشاعر أن العمر يمضي سريعاً، وأن الكبر يطرق الأبواب دون استئذان، فينحني الظهر، ويشيب الرأس، وتضعف القوة، فلا يبقى للإنسان سوى ما زرعه من مواقف وأخلاق. ومن هنا تأتي رسالته الواضحة: أصلح نفسك قبل أن يفوت الأوان، فالدنيا زائلة، والباقي هو العمل الصالح والذكر الطيب.

ورغم ما يحمله النص من خيبة وألم بسبب تبدل الأحوال وانكسار الثقة، إلا أن خاتمته ترتقي إلى أسمى معاني التسامح، حين يعلن الشاعر أنه يعفو ويصفح، في رسالة تؤكد أن الصفح قوة، وأن السلام الداخلي أعظم من استمرار الخصام.

وفيما يلي نص القصيدة كاملة:

بالله عليك
بالله عليك
راني حشمت في بلاصتك
ومراعي عليك
عفاك جاوبني فين باغي توصل؟
حتى بلاصة ما قداتك
وحتى طريق ما عجباتك
غير تفكر اللي كان بيناتنا
واللي فات
الدائم الله ما كاين غير الموت
صلح راسك قبل ما يفوت الفوت
ما بقيتي صغير
رآه الظهر تقوس
النظر قلال والراس شاب
ومن جهتك ظني فيك خاب
عليك قفلت قلبي وسديت الباب
ونهار تسول ما تلقى مني جواب
هذا ما كتاب
بالله عليك
خمم قبل ما تقول
خليك رزين وكلامك معقول
وراك على راسك مسؤول
ولا تبقاش غير كتهضر
وفمك محمول
بالله عليك
رآه الدنيا فانية
فهمها فراسك وما تحتاجني نقولها ليك
رد بالك
وعلى ما درتي في أنا
مسامح ليك.

شاعر خالد فولان

إن قصيدة "بالله عليك" ليست مجرد أبيات من الشعر الشعبي، بل هي رسالة أخلاقية وإنسانية صادقة، تُذكّر بأن العلاقات لا تُحفظ بالكلمات وحدها، بل بالوفاء والاحترام وتحمل المسؤولية. وهي قصيدة تُلامس كل من مرّ بتجربة خذلان أو فراق، وتؤكد أن أجمل الانتصارات ليست في رد الإساءة، بل في التسامح بعد الألم، وفي امتلاك الشجاعة لمواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين.