في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن "الطاقة" حاضرًا بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي، والدورات التدريبية، وكتب تطوير الذات، حتى بات كثيرون يعتقدون أن تغيير حياتهم يبدأ من "تنظيف الطاقة" أو "رفع الذبذبات". وفي المقابل، يقف علم النفس باعتباره علمًا قائمًا على البحث والتجربة، يفسر السلوك الإنساني والانفعالات وفق أسس علمية دقيقة. فهل هناك علاقة حقيقية بين علم النفس وما يُعرف بعلم الطاقة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز خلطًا بين العلم والمعتقدات الشخصية؟

يُعد علم النفس من أكثر العلوم الإنسانية تطورًا، إذ يدرس طريقة التفكير والمشاعر والسلوك، ويعتمد على مناهج علمية وتجارب سريرية لفهم الاضطرابات النفسية وعلاجها. وقد أسهم في تطوير أساليب علاجية أثبتت فعاليتها، مثل العلاج السلوكي المعرفي والعلاج النفسي بمختلف مدارسه، مما جعله مرجعًا أساسيًا في مجال الصحة النفسية.

في المقابل، يستخدم مصطلح "علم الطاقة" للإشارة إلى مجموعة واسعة من الممارسات والمفاهيم، مثل توازن الطاقة، والهالة، والشاكرات، والعلاج بالطاقة. وتجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من هذه الممارسات لا تحظى بإجماع علمي أو بأدلة قوية تثبت فعاليتها وفق المعايير المعتمدة في البحث العلمي، رغم أن بعض الأشخاص يصفون تجارب شخصية إيجابية معها.

ويرى مختصون في علم النفس أن الشعور بالتحسن بعد بعض هذه الممارسات قد يرتبط بعوامل معروفة، مثل الاسترخاء، والتأمل، وتخفيف التوتر، وقوة التوقعات الإيجابية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر بالفعل في الحالة النفسية، دون أن يكون ذلك دليلًا على وجود "طاقة" بالمعنى الذي تروج له بعض المدارس.

ولا يمكن إنكار أن التأمل، والتنفس العميق، واليقظة الذهنية، والاهتمام بالراحة النفسية، أصبحت أدوات معترفًا بها في بعض البرامج العلاجية، لكن قيمتها تأتي من الدراسات التي اختبرت نتائجها، وليس من الادعاءات غير المثبتة.

وتكمن الخطورة عندما يستبدل بعض الأشخاص العلاج النفسي أو الطبي بممارسات يعتقدون أنها قادرة وحدها على علاج الاكتئاب أو القلق أو الأمراض المزمنة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير العلاج المناسب وتفاقم الحالة الصحية.

إن الاهتمام بالصحة النفسية يتطلب وعيًا يميز بين ما تدعمه الأدلة العلمية وما يقوم على التجارب الفردية أو المعتقدات. فالعقل يحتاج إلى المعرفة بقدر حاجته إلى الأمل، كما أن البحث عن التوازن النفسي لا ينبغي أن يكون على حساب الحقائق العلمية.

مع اتساع منصات التأثير وانتشار المحتوى غير الموثق، يظل العلم المرجع الأصدق لفهم النفس والإنسان.
وتختلط فيه الحقائق بالادعاءات، يبقى التفكير النقدي والرجوع إلى المصادر العلمية الموثوقة أفضل وسيلة لاتخاذ قرارات تحافظ على صحة الإنسان النفسية والجسدية. فالعلم لا يعادي الراحة النفسية أو التأمل، لكنه يدعو إلى تقييم أي ممارسة بميزان الدليل والبحث، حتى تبقى الصحة قائمة على المعرفة لا على الانطباعات.