منال الشرقي: حينما يغدو الفن المتعدد الأبعاد صدىً هادراً للإدماج والسلام
الرباط – يتردد صدى اسم منال الشركي بزخم جارف في مستهل يوليو 2026. فبين اعتلاء منصة التتويج باليونسكو ووقوفها الآسر في حضرة صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة أسماء، تبسط الفنانة المغربية هيبتها كأيقونة شامخة لا محيد عنها في المشهد الثقافي والاجتماعي. إنه بورتريه لفنانة تجسد الفن الشامل بكل جوارحه، مسخرةً صوتها، وريشتها، وجسدها لتحطيم قيد الصمت المطبق.
ثنائية تأسر القلوب في رحاب مؤسسة لالة أسماء
في يوم الثلاثاء المشهود، الثلاثين من يونيو، وخلال حفل ختام السنة الدراسية لمؤسسة لالة أسماء للأطفال الصم وضعاف السمع، تخثر الزمن وخشعت اللحظات على وقع نغمات استثنائية. فبين يدي الأميرة لالة أسماء وأمام حشد غفير من أعيان البلاد ورجالات الدولة، صدحت منال الشرقي برائعتها المدوية "أشر لي".
وكم كانت تلك البرهة تنبض بالقوة والعمق؛ إذ وقفت إلى جانبها تلميذة غضة من زهرات المؤسسة، تحول كل نبرة شجية وكل دفق شعوري إلى لغة إشارة حية. هذا الموقف الفني المهيب جاء ليعانق القيم السامية التي تذود عنها هذه المؤسسة العريقة، والتي اغتنمت هذا المحفل المشهود لتوزيع مائة سماعة طبية متطورة، معلنةً عن آفاق واعدة لمشاريع إدماجية تفتح أبواب الأمل.
من حواضر الرباط إلى منبر اليونسكو: سيرة إبداع متكامل
تأبى منال الشرقي، الرسامة التعبيرية المبدعة ومغنية السول الشجية ومصممة الرقصات، أن تُقيد في شرنقة تصنيف ضيق؛ فالفن في عقيدتها فيضٌ واحد لا يتجزأ. هذه الرؤية الكونية الشاملة هي ذاتها التي شرعت لها مصاريع المجلس الدولي للرقص (CID) التابع لمنظمة اليونسكو.
وهو تشريف دولي تتقلد مسؤوليته بوعي عميق، حيث صرحت في صدد ذلك قائلة:
"إن التعددية الفنية في كينونتي هي هبة ربانية ونعمة كبرى، ألوذ بها لأصهر مشاعري وأبث عبرها القيم الإنسانية النبيلة؛ من سلام وتلاحم ووحدة، تتجسد كلها في محراب الفن"، هكذا باحت بمكنون صدرها مؤخراً، مهدية هذا الإنجاز الأشم لبلدها الأم الذي نبتت في ترابه.
التداوي بالفن والالتزام الاجتماعي: بوصلة وفاء ميداني
إن ما يمنح منال الشرقي هالتها الخاصة عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل، هو ذلك التناغم المطلق والالتحام الوثيق بين فنها الرفيع ومبادراتها الميدانية الراسخة. فبصفتها سفيرة دولية للسلام، لا تتوانى أبداً عن خلع أزياء المسرح الفاخرة لتنغمس في عمق الميدان، مؤازرةً للفئات الهشة والأشد عوزاً.
وقد حفرت مبادرتها الإنسانية "العشاء التضامني الجماعي" بالرباط أثراً لا يُمحى في الوجدان، لتبرهن للقاصي والداني أن الفن، في فكرها، لا يليق به أن يظل سجين المعارض النخبوية أو خلف ستائر المسارح المغلقة، بل وجب أن ينزل إلى الشوارع ليزرع أواصر التلاحم البشري.
وفي زمن تتوحش فيه خوارزميات الفضاء الرقمي وتتشابك قضايا التكنولوجيا الفائقة مع الشأن الثقافي، تأتي منال الشرقي لتعيد صياغة حقيقة أزلية لا تقبل الجدل: إن المشاعر الإنسانية الدافقة، وقيم التضامن الحي، ولغة الجسد النابضة، تظل كلها ذبذبات وروحاً حية يستحيل على أي ذكاء اصطناعي، مهما بلغ من العتو، أن يحاكيها أو يحل محلها.
