الشاعرة فاطمة معروفي تكتب فلسفة النور والغياب في قصيدة "سيّد الظلال".. رحلة شعرية نحو اكتشاف الذات خلف الحجب
في نص شعري مفعم بالرمزية والتأمل العميق، تقدم الشاعرة الأديبة فاطمة معروفي قصيدتها الموسومة بـ "سيّد الظلال"، وهي قصيدة تتجاوز حدود البوح الشعري التقليدي لتلامس أسئلة الوجود والهوية والحقيقة، في رحلة روحية وفكرية تنبش أعماق الذات الإنسانية وتكشف هشاشتها أمام مرايا الوهم واليقين.
منذ المطلع، تضع الشاعرة القارئ أمام مشهد وجودي مؤثر، حيث يتحول النداء إلى صدى، ويتحول البحث عن الآخر إلى بحث عن النفس. فالذات الشاعرة تنادي "سيّدي"، لكنها لا تجد سوى انعكاس صوتها، وكأن الحقيقة التي تطلبها ليست خارجها بل كامنة في أعماقها.
وتتجلى براعة فاطمة معروفي في قدرتها على توظيف الرموز والدلالات الفلسفية، إذ تجعل من "الظلال" استعارة كبرى للأوهام والصور الذهنية التي يعبدها الإنسان دون أن يدرك أنها ليست سوى انعكاسات لذاته. فالأسماء التي تعبد أصداءها والظلال التي تسجد لظلالها، كلها إشارات إلى انشغال الإنسان بالمظاهر ونسيانه الجوهر.
وتبلغ القصيدة ذروة عمقها حين تسقط الذات في مواجهة فراغها الداخلي، حيث لا تنقذها الأرض ولا الواقع، بل تجد نفسها وجهاً لوجه أمام حقيقتها المجردة. في تلك اللحظة المفصلية تسمع "النور" يتكلم بلا صوت، في صورة شعرية آسرة تختزل لحظة الكشف والتجلي.
أما العبارة المركزية: "لا ظلَّ لمن احترق"، فتشكل جوهر الرسالة الشعرية للنص، إذ تشير إلى أن الإنسان عندما يحترق بنور المعرفة والحقيقة، تزول عنه الظلال والأوهام، فلا يبقى سوى الصفاء الخالص والوعي الكامل بالذات.
وفي خاتمة مدهشة، تقلب الشاعرة المفاهيم رأساً على عقب، لتعلن أن "سيّد الظلال" ليس شخصاً ولا زماناً ولا وجهاً محدداً، بل هو آخر ما يتبقى من الإنسان قبل أن يكتشف أن الحجاب الحقيقي لم يكن بينه وبين العالم، وإنما بينه وبين نفسه.
لقد نجحت الشاعرة الأديبة فاطمة معروفي في تقديم نص شعري غني بالدلالات الفكرية والروحية، يفتح أبواب التأويل أمام القارئ، ويؤكد قدرتها على صياغة شعر حديث يجمع بين جمال اللغة وعمق الرؤية الفلسفية، في تجربة إبداعية تضعها ضمن الأصوات الأدبية التي تجعل من الشعر أفقاً للتأمل واكتشاف الذات.
قصيدة "سيّد الظلال"
للشاعرة الأديبة فاطمة معروفي
ناديتُكَ: يا سيِّدي…يا سيِّدي…
فأجابني الصدى،
وعندما كررتُ النداء،
لم يبقَ غيرُ صوتي
يرتدُّ إليَّ عاريًا من اليقين.
كنتُ أبحثُ عنكَ،
وكنتُ أضيعُ فيَّ.
فما كان الطريقُ إليكَ،
بل كان الطريقُ منِّي.
رأيتُ الظلالَ
تسجدُ لظلِّها،
والأسماءَ
تعبدُ أصداءَها،
فعرفتُ أن الحجابَ
ليس ما يسترُ الحقيقة،
بل ما يُقنعُ القلبَ
أنه قد بلغها.
وحين سقطتُ…
لم تمسكني الأرض،
بل أمسكني فراغي،
وعندها فقط
سمعتُ النورَ
وهو يقولُ بلا صوت:
"لا ظلَّ لمن احترق."
فعرفتُ أن سيِّدَ الظلال
ليس شخصًا،
ولا وجهًا،
ولا زمانًا؛
إنه آخرُ ما يبقى منك
قبل أن تعرفَ
أنك…
لم تكن إلا حجابًا
بينك وبينك.