الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب.. سفيرة العربية في أوروبا وصوت الهوية الحضارية من طنجة إلى بروكسل
في مشهد عالمي تتقاطع فيه الثقافات وتتسابق فيه الأمم لترسيخ حضورها الحضاري عبر لغاتها، برزت الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب كإحدى الشخصيات العربية المؤثرة التي جعلت من اللغة العربية مشروعاً ثقافياً ورسالة إنسانية عابرة للحدود، حاملةً وهج الضاد إلى قلب المؤسسات الأوروبية، ومكرسةً جهودها لترسيخ مكانتها جسراً للحوار والتفاهم بين الشعوب والحضارات.
تتولى الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب رئاسة الجمعية الأوروبية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بالعاصمة البلجيكية بروكسل، وهي مؤسسة تربوية وثقافية أصبحت مرجعاً مهماً في تطوير برامج تعليم العربية داخل أوروبا وفق أحدث المعايير البيداغوجية المعتمدة دولياً. وقد نجحت في تحويل الجمعية إلى فضاء أكاديمي وثقافي يجمع الخبراء والباحثين والأساتذة المهتمين بتعليم اللغة العربية ونشر ثقافتها بين غير الناطقين بها، بما يسهم في تعزيز حضور العربية داخل المشهد الثقافي الأوروبي.
ولم تكن تجربة الهجرة بالنسبة للدكتورة سميرة بن عبد الوهاب مجرد انتقال جغرافي من المغرب إلى أوروبا، بل تحولت إلى مشروع حضاري متكامل حمل في جوهره رسالة الحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية للأجيال الصاعدة. فمنذ استقرارها أولاً بإيطاليا ثم ببلجيكا، أدركت أن اللغة هي الحصن الأول للهوية والذاكرة الجماعية، فاختارت أن تجعل من تعليم العربية رسالة حياة ومساراً مهنياً وإنسانياً تسخر له خبرتها وعطاءها.
ومن خلال مسيرتها التربوية الطويلة، اشتغلت على قضايا التعليم والهجرة وحقوق الطفل، وأسهمت في العديد من المبادرات الهادفة إلى دعم أبناء الجاليات العربية والمسلمة وتمكينهم من الاندماج الإيجابي داخل المجتمعات الأوروبية، مع الحفاظ على ارتباطهم بجذورهم الثقافية والحضارية. كما حرصت على ترسيخ قيم الانفتاح والتعايش والحوار، باعتبارها ركائز أساسية لبناء مجتمعات متعددة الثقافات ومتوازنة الهوية.
وتُعد الشراكات الدولية التي ساهمت في بنائها من أبرز محطات مسيرتها المهنية، حيث نسجت علاقات تعاون مع مؤسسات دولية مرموقة، وفي مقدمتها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، من خلال مشاركتها في مشاريع ومبادرات استراتيجية تهدف إلى تطوير تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتعزيز حضورها في الساحات الأكاديمية والثقافية العالمية.
كما كان لها دور بارز في المساهمة بالتحضير لفعاليات ومبادرات علمية وثقافية احتفاءً باليوم العالمي للغة العربية داخل البرلمان الأوروبي، في خطوة تعكس المكانة المتنامية التي باتت تحظى بها اللغة العربية داخل المؤسسات الأوروبية، والدور المؤثر الذي تقوم به الكفاءات العربية في إبراز قيمتها الحضارية والإنسانية.
وتؤمن الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب بأن مستقبل اللغة العربية في أوروبا لا يمكن أن يبنى بالوسائل التقليدية وحدها، بل يحتاج إلى رؤية تربوية حديثة تستجيب للمعايير الأوروبية المعاصرة في تعليم اللغات. ولهذا عملت على تنظيم دورات تكوينية وورشات متخصصة لفائدة الأساتذة والمعلمين، وساهمت في تطوير البرامج التعليمية وفق الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات، مع التركيز على توظيف التكنولوجيا الحديثة والوسائط الرقمية في العملية التعليمية.
وقد عززت الجمعية الأوروبية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها حضورها في العديد من الفعاليات الأكاديمية والعلمية، من خلال تقديم مشاريع وبرامج تعليمية مبتكرة تسعى إلى تسهيل تعلم العربية وجعلها أكثر جاذبية للأجيال الجديدة، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعليم في العالم.
وإلى جانب عطائها الأكاديمي والثقافي، برزت الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب كفاعلة اجتماعية وإنسانية مهتمة بقضايا المرأة المهاجرة وحقوق الطفل، حيث عملت على دعم النساء العربيات وتمكينهن من الاندماج الإيجابي داخل المجتمعات الأوروبية عبر التعليم والتكوين المستمر، كما ساهمت في برامج توعوية وتربوية تهدف إلى تعزيز التواصل بين الأسرة والمدرسة وتحسين أوضاع الأسر المهاجرة، انطلاقاً من إيمانها بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان.
وتدرك الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء للهوية وذاكرة للأمم وقوة ناعمة قادرة على بناء الجسور بين الثقافات. لذلك جعلت من الدفاع عن اللغة العربية مشروعاً استراتيجياً يتجاوز حدود التعليم إلى الإسهام في تعزيز التفاهم الحضاري وترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتعايش بين الشعوب.
وبفضل مسيرتها الحافلة بالعطاء والإنجاز، أصبحت واحدة من أبرز الأصوات العربية في أوروبا، ومن النماذج النسائية المغربية المضيئة التي نجحت في تمثيل وطنها وثقافتها بأفضل صورة داخل المحافل الدولية، مقدمة مثالاً ملهماً للكفاءة والالتزام والإيمان بقوة المعرفة في صناعة التغيير.
إن الحديث عن الدكتورة سميرة بن عبد الوهاب هو حديث عن مسيرة استثنائية لامرأة آمنت بأن اللغة العربية ليست إرثاً يُصان فحسب، بل مشروع حضاري متجدد ينبغي أن يواكب العصر ويخاطب العالم بلغته وأساليبه الحديثة. فهي اليوم تمثل نموذجاً مشرفاً للمرأة المغربية والعربية التي استطاعت أن تجعل من العلم والثقافة والحوار أدوات للتأثير الإيجابي، وأن تمنح اللغة العربية حضوراً أكثر إشراقاً في قلب أوروبا، لتظل بحق سفيرة للضاد ورسولة للمعرفة وجسراً حضارياً بين الشرق والغرب.
