تجّار الجدل الرقمي.. كيف تحوّلت الفضائح والترندات إلى إمبراطورية نفوذ وأرباح في العالم العربي؟
في زمنٍ لم يعد فيه الانتباه مجرد سلوك بشري عابر، بل أصبح سلعة رقمية ثمينة تُباع وتُشترى وتُستثمر، تشهد منصات التواصل الاجتماعي تحولات عميقة أعادت صياغة مفهوم التأثير وصناعة الشهرة. فبينما كان المحتوى الجاد والمعرفة الرصينة يشكلان في السابق الطريق الطبيعي نحو الحضور والتأثير، برزت اليوم ظاهرة جديدة تتغذى على الإثارة والصدام وتعيش على وقع الجدل المتواصل، حتى أصبح كثير من صناع المحتوى يدركون أن الطريق الأسرع إلى الشهرة لا يمر عبر جودة الفكرة، بل عبر قدرتها على إثارة الضجيج.
في العالم العربي، كما في مختلف أنحاء العالم، ظهرت فئة من المؤثرين الذين بنوا حضورهم الرقمي على صناعة الجدل وتحويل الخلافات والفضائح والاتهامات إلى مادة يومية للاستهلاك الجماهيري. هؤلاء لا يكتفون بنقل الأحداث أو التعليق عليها، بل يعمل بعضهم على تضخيمها وإعادة إنتاجها بطريقة تجعلها أكثر إثارة وجاذبية للخوارزميات وللجمهور في الوقت نفسه. وهكذا تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة تتنافس فيها الآراء الحادة والاتهامات المثيرة والقصص الصادمة على حصد أكبر قدر ممكن من المشاهدات والتفاعلات.
ولأن الاقتصاد الرقمي الحديث يقوم على جذب الانتباه قبل أي شيء آخر، فقد أصبح الغضب والخوف والفضول والصدمة موارد اقتصادية حقيقية تدر الأرباح. فكل تعليق غاضب، وكل مشاركة بدافع الاستنكار، وكل نقاش محتدم بين المتابعين، يضيف قيمة جديدة للمحتوى ويرفع من فرص انتشاره. ومن هنا نشأ ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الجدل"، حيث تتحول الانفعالات البشرية إلى أرقام وإحصاءات تُترجم في النهاية إلى عوائد مالية ونفوذ رقمي متزايد.
المفارقة أن المعلومة الدقيقة والهادئة قد تمر أحياناً دون أن تثير اهتماماً واسعاً، بينما تستطيع شائعة غير مؤكدة أو اتهام مثير أن يجتاح الفضاء الرقمي خلال ساعات قليلة. فخوارزميات المنصات لا تميز دائماً بين الحقيقة والإثارة، بل تكافئ ما يحقق أكبر قدر من التفاعل. ونتيجة لذلك، يجد بعض صناع المحتوى أنفسهم أمام إغراء دائم للانتقال من التحليل إلى الاستفزاز، ومن النقد الموضوعي إلى الخطاب المثير للانقسام.
هذا الواقع أفرز بيئة رقمية باتت فيها الخصوصيات الشخصية مادة للنقاش العام، والخلافات الفردية قضايا رأي عام، والاتهامات غير المثبتة عناوين تتصدر المشهد لساعات أو أيام. ومع تكرار هذه الممارسات، تتراجع الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والتشهير، وبين النقد المشروع والاستهداف الشخصي، وبين الحق في المعرفة والحق في حماية السمعة والكرامة الإنسانية.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الفضاء الافتراضي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. فكل موجة جدل جديدة تترك خلفها مزيداً من الاستقطاب والانقسام وفقدان الثقة بالمعلومات والمؤسسات الإعلامية. كما يجد كثير من الأفراد أنفسهم عرضة لضغوط نفسية هائلة نتيجة حملات التشهير أو التنمر أو المحاكمات الرقمية التي قد تنطلق من منشور واحد ثم تتضخم بفعل التداول الجماهيري.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو المسؤولية موزعة بين أطراف عدة. فالمنصات الرقمية تصمم خوارزميات تعطي الأولوية للتفاعل الكثيف، وبعض المؤثرين يوظفون هذه الآليات لتحقيق الشهرة والأرباح، بينما يساهم الجمهور نفسه في استمرار الظاهرة من خلال التفاعل المكثف مع المحتوى المثير أكثر من تفاعله مع المحتوى المتوازن والرصين. إنها دائرة متكاملة يتغذى فيها الجميع من الجميع، حتى يصبح الجدل صناعة قائمة بذاتها.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد موجة عابرة من الفضائح الرقمية أو الصراعات الافتراضية، بل تحول عميق في طبيعة الاقتصاد الإعلامي الحديث، حيث أصبح الانتباه أثمن من الحقيقة أحياناً، وأصبحت الإثارة أقوى من المعلومة، وتحول الجدل إلى سلعة مربحة تُنتج وتُسوّق وتُستهلك بشكل يومي.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان هناك من يصنع الترند، فمن الذي يمنحه القوة للاستمرار؟ وهل أصبحنا، من حيث ندري أو لا ندري، شركاء في صناعة هذا الاقتصاد القائم على الجدل أكثر من كوننا مجرد متابعين له؟