لم يعد الحديث عن التغير المناخي ترفاً فكرياً أو ملفاً يقتصر على المؤتمرات الدولية، بل أصبح قضية وجودية تفرض نفسها بقوة على الحكومات والمجتمعات والاقتصادات. فالجفاف المتكرر، وندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات والحرائق المتزايدة، كلها مؤشرات تؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها الأكبر: التكيف أو دفع الثمن.
وإذا كانت العديد من الدول تبحث اليوم عن حلول عاجلة لتأمين مواردها المائية والغذائية والطاقية، فإن المغرب اختار مواجهة هذا التحدي عبر مشاريع استراتيجية كبرى تشمل السدود، والطرق السيارة المائية، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، إضافة إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

للوقوف على أبعاد هذه التحولات وتداعياتها المستقبلية، أجرت "لكل الأسرة" هذا الحوار مع الدكتورة جميلة مرابط، المتخصصة في قضايا البيئة والتنمية المستدامة، والتي قدمت قراءة شاملة لرهانات التغير المناخي والحلول الممكنة لمواجهة أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين.

أصبح التغير المناخي حديث العالم بأسره، ما الذي يجعل هذا الملف يحظى بكل هذا الاهتمام؟

لأننا لم نعد أمام توقعات علمية أو سيناريوهات مستقبلية، بل أمام واقع ملموس يعيشه الجميع. آثار التغير المناخي أصبحت واضحة من خلال الجفاف المتكرر، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، وازدياد الكوارث الطبيعية. هذه الظواهر تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، ولذلك أصبح التغير المناخي أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية اليوم.

كيف يؤثر التغير المناخي على الأمن المائي والغذائي للدول؟

الماء هو أول ضحية للتغير المناخي. فمع تراجع التساقطات المطرية وارتفاع معدلات التبخر، تتقلص الموارد المائية المتاحة، وهو ما ينعكس مباشرة على القطاع الفلاحي الذي يستهلك النسبة الأكبر من المياه. وعندما تتضرر الفلاحة تتأثر سلاسل الإنتاج الغذائي وترتفع الأسعار وتتراجع فرص الشغل، مما يخلق ضغوطاً اقتصادية واجتماعية كبيرة.

هناك حديث متزايد عن "حروب الماء". هل نحن فعلاً أمام هذا السيناريو؟

للأسف هذا الاحتمال أصبح مطروحاً بقوة. فالمياه تتحول تدريجياً إلى مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن النفط والغاز. ومع استمرار الجفاف وتزايد الطلب على المياه، قد تشتد المنافسة حول الموارد المائية داخل الدول وبين الدول المتجاورة. لذلك أصبح الأمن المائي جزءاً أساسياً من الأمن القومي للدول.

ما هي أبرز الاتفاقيات الدولية التي تحاول مواجهة هذه الأزمة؟

تعتبر اتفاقية باريس للمناخ من أهم الاتفاقيات الدولية في هذا المجال. وقد وضعت أهدافاً واضحة للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض وخفض الانبعاثات الكربونية. كما دعت إلى تعزيز الانتقال نحو الطاقات النظيفة وتمويل مشاريع التكيف المناخي في الدول الأكثر هشاشة. لكن المشكلة تكمن في أن الالتزامات المعلنة لا تواكب دائماً حجم التحديات المطروحة.

كيف تقيمين التجربة المغربية في مواجهة التغيرات المناخية؟

المغرب من الدول التي أدركت مبكراً خطورة التحديات المناخية. لذلك أطلق مشاريع استراتيجية مهمة في مجالات الماء والطاقة والبيئة. هناك رؤية واضحة تقوم على تنويع مصادر المياه، وتعزيز الطاقات المتجددة، وتحسين قدرة البلاد على التكيف مع المتغيرات المناخية.

ما أهمية مشروع الطرق السيارة المائية الذي أثار اهتماماً واسعاً؟

هذا المشروع يعد من الحلول المبتكرة لتدبير ندرة المياه. ففكرته تقوم على نقل المياه من الأحواض التي تعرف فائضاً نسبياً إلى المناطق التي تعاني خصاصاً حاداً. وقد أثبتت التجربة نجاعتها في تأمين التزود بالماء لملايين المواطنين، كما أنها تجسد مبدأ التضامن المائي بين الجهات.

هل يمكن لتحلية مياه البحر أن تكون الحل السحري لأزمة المياه؟

لا يوجد حل سحري، لكن تحلية مياه البحر أصبحت ضرورة استراتيجية بالنسبة للمغرب. فهي توفر مورداً مائياً مستقراً لا يرتبط بالتساقطات المطرية. ومع التطور التكنولوجي وانخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، أصبحت هذه التقنية أكثر فعالية وأكثر قدرة على دعم الأمن المائي الوطني.

وماذا عن إعادة استعمال المياه العادمة؟

هذا خيار مهم جداً. فالمياه العادمة المعالجة يمكن استعمالها في سقي المساحات الخضراء وبعض الأنشطة الصناعية والفلاحية، مما يخفف الضغط على المياه الصالحة للشرب ويحافظ على الموارد الجوفية. إنها مقاربة تعتمد على تثمين الموارد المتاحة بدل استنزافها.

يشكل القطاع الفلاحي أكبر مستهلك للمياه، كيف يمكن التوفيق بين الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الموارد المائية؟

الأمر يتطلب مراجعة بعض الأنماط الزراعية والتوسع في الزراعات المتكيفة مع المناخ المحلي. كما ينبغي تعميم تقنيات الري الموضعي والري الذكي، وتشجيع الابتكار الزراعي الذي يحقق إنتاجية أفضل باستهلاك أقل للمياه.

يتحدث الكثيرون اليوم عن الهيدروجين الأخضر، لماذا يحظى بكل هذه الأهمية؟

لأنه يمثل أحد أهم رهانات المستقبل الطاقي العالمي. الهيدروجين الأخضر ينتج اعتماداً على الطاقات المتجددة دون انبعاثات ملوثة، ويمكن استخدامه في الصناعة والنقل وتخزين الطاقة. المغرب يمتلك مؤهلات كبيرة في هذا المجال بفضل موقعه الجغرافي وإمكاناته الشمسية والريحية المهمة.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا في مواجهة التغير المناخي؟

التكنولوجيا أصبحت عنصراً أساسياً في معركة المناخ. نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، وأنظمة الإنذار المبكر، وتقنيات الاقتصاد في الماء والطاقة، والحلول الرقمية لمراقبة الموارد الطبيعية. كل هذه الأدوات تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفعالية.

ما الرسالة التي تودين توجيهها للمواطنين؟

مواجهة التغير المناخي ليست مسؤولية الحكومات وحدها. كل مواطن يمكنه أن يساهم من خلال ترشيد استهلاك الماء والطاقة، واحترام البيئة، واعتماد سلوكيات أكثر استدامة. فالمعركة الحقيقية تبدأ من الوعي، لأن الحفاظ على الموارد الطبيعية مسؤولية جماعية تهم حاضرنا ومستقبل الأجيال القادمة.

في الختام

تؤكد الدكتورة جميلة مرابط أن معركة المناخ لم تعد رهان المستقبل، بل أصبحت تحدي الحاضر الذي يفرض على الجميع التحرك بسرعة وفعالية. وبين مخاطر الجفاف وندرة المياه وتزايد الضغوط البيئية، يواصل المغرب بناء منظومة متكاملة للأمن المائي والطاقي، مستنداً إلى السدود والطرق السيارة المائية وتحلية مياه البحر والهيدروجين الأخضر، في محاولة لكسب واحدة من أصعب معارك القرن.