تأتي هذه القصيدة الزجلية بوصفها مرثية مؤثرة تشتبك فيها العاطفة بالذاكرة، حيث لا يكتفي الشاعر بالرثاء، بل يحوّل النص إلى مشهد إنساني مفتوح على الألم، والدهشة، وصدمة الفقد.

منذ المطلع، يواجهنا النداء المتكرر: “آه عليك وما درتي يا الموت”، وهو تعبير زجلي مباشر يكشف حجم الاحتجاج العاطفي على رحيل مفاجئ. فالموت هنا ليس قدرًا صامتًا، بل طرفٌ يُخاطَب وكأنه مسؤول عن “فعل قاسٍ” تمثل في خطف أحد المقربين.

ويأتي التوضيح في عبارة “ديتي لينا واحد من لخوت” ليعمّق الإحساس بالفقد، حيث يُقدَّم الراحل كـ“أخ” قبل أن يكون شاعراً، في إشارة إلى العلاقة الإنسانية التي تجمعه بمحيطه.

ثم ينتقل النص إلى تمجيد شخصية الفقيد في قوله:
مشى العزيز الغالي / موتنا مول لكلام الزين والحرف الرزين”
وهنا يبرز البعد الرمزي، إذ يُقدَّم الراحل كصاحب الكلمة الراقية والأسلوب المتزن، أي أنه ليس مجرد فرد غائب، بل قيمة أدبية وأخلاقية.

ويستمر البناء العاطفي عبر قول الشاعر:
مشى مول لمثال والقوافي / خلى في قلبنا شاعلة العوافي”
وهو تصوير يربط بين الإبداع الشعري وبين الأثر الإنساني، حيث تتحول القوافي إلى “دفء داخلي” تركه الراحل في قلوب محبيه.

ثم تتسارع نبرة الألم في:
وفي رمشة عين / مشى مول القلب الحنين”
في إشارة إلى سرعة الفقد وصدمة الحدث، حيث يتحول الزمن إلى لحظة خاطفة أنهت حضورًا إنسانيًا كان مليئًا بالحنان.

ويسترسل النص في وصف حالة البحث والذهول:
وملي سمعت لخبار خرجت بالزربة من الدار”
وهو مشهد حركي يعكس الانتقال من الصدمة إلى محاولة التصديق، كأن الشاعر يركض خلف حقيقة الفقد.

ثم تتجلى ملامح الثقافة الشعبية في:
تلاقيت القراقب والكمبري”
في إشارة إلى الأجواء الكناوية التي ترتبط بالراحل، مما يمنح القصيدة بعدًا تراثيًا موسيقيًا يعزز مكانته كـ“معلم كناوي”.

ويؤكد النص على الإجماع الاجتماعي في الحزن:
لقيت كلشي يبكي عليك… كاالصغير كاالكبير”
وهنا يصبح الرثاء جماعيًا، يعكس حضور الفقيد في وجدان مختلف الفئات دون استثناء.

ثم يرفع الشاعر منسوب الألم بقوله:
اليوم الحرف عليك حزين والدمعة تنزل من العين”
فيتحول الحرف نفسه إلى كائن حزين، وكأن اللغة تشارك في الفقد.

ويعود النص لتكريس صورة الحنين:
مشيتي يا مول القلب الحنين”
وهي عبارة تلخص شخصية الراحل كإنسان أكثر منه كفنان، صاحب قلب لا يُعوَّض.

أما التحول الأقوى في القصيدة فيظهر في:
اه عليك يا الموت… تخلي القلب شاعل وكلو حريقة”
حيث يتحول الخطاب إلى احتجاج مباشر على قسوة الموت الذي لا يمنح فرصة للوداع.

ويزداد الإحساس بالصدمة في:
تخطفي منا الناس العزاز في اقل من ثانية ودقيقة”
وهو توصيف مكثف لسرعة الفقد وعبثيته في نظر الشاعر.

ثم تأتي الذروة الوجدانية:
شكون من بعدك على الحرف ينهينا؟”
سؤال وجودي يعكس فراغًا إبداعيًا، وكأن رحيل الراحل لا يترك فقط ألمًا، بل يترك غيابًا في المشهد الثقافي نفسه.

ويختتم النص بنبرة تأملية:
اه كون غير تعلمينا يا الموت نتوادعوا بيناتنا ونتسامحوا مع الخوت”

وهو انتقال من الصدمة إلى الحكمة، حيث يدعو الشاعر إلى قيمة التسامح والوداع قبل فوات الأوان.

خلاصة القصيدة ليست مجرد رثاء شخصي، بل شهادة شعورية جماعية على فقدان “فارس الحرف والكلمة”، حيث يتداخل الزجل الشعبي مع الوجع الإنساني، ويصبح الموت تجربة تُعيد طرح أسئلة الذاكرة، والقيمة، والغياب في المجتمع.

* قصيدة زجلية في رثاء فارس الحرف والكلمة والمعلم الكناوي الشاعر محمد موتنا السباعي

اه عليك وما درتي يا الموت

اه عليك وما درتي يا الموت
ديتي لينا واحد من لخوت
مشى العزيز الغالي
موتنا مول لكلام الزين
والحرف الرزين
مشى مول لمثال والقوافي
خلى في قلبنا شاعلة العوافي
وفي رمشة عين
مشى مول القلب الحنين
طار من بيناتنا يا مسكين
وملي سمعت لخبار
خرجت بالزربة من الدار
خرجت نقلب و نبري
تلاقيت القراقب والكمبري
لقيت كلشي يبكي عليك
يذكروا في خصايلك
يذكروك بكلام الخير ويترحموا عليك
كاالصغير كاالكبير
المرآة والراجل والشيخ والدري
اليوم الحرف عليك حزين
والدمعة تنزل من العين
مشيتي يا مول القلب الحنين
محلاها معاك رفاكة هاد السنين
اه عليك يا الموت الإدارة
ما فيك ثقة
تخلي القلب شاعل وكلو حريقة
تخطفي منا الناس العزاز
في اقل من ثانية ودقيقة
تخلي القلب موجوع
والخاطر مفكوع
والناس تبكي بالدموع
مشيتي يا حبيبنا
يا السباعي يا موتنا
شكون من بعدك على الحرف ينهينا؟
مشيتي مشية بلا رجوع
ما يكفيني عليك لا نهار ولا يومين ولا سبوع

اه ما درتي فينا يا الموت
كل مرة تاخذي من الكبدة طرف
وما تقولي لا براكة علي ولا الله يخلف
تخلي الواحد يبكي وريقو ينشف
اه كون غير تعلمينا يا الموت
نتوادعوا بيناتنا ونتسامحوا مع الخوت.

شعر .... خالد فولان.