كلمة الدكتورة جميلة مرابط

بسم الله الرحمن الرحيم
السيدات والسادة، أصحاب المعالي، ممثلو المؤسسات الأكاديمية والمنظمات العربية، الحضور الكريم،

في ختام هذا الملتقى العلمي الدولي الأول حول "التحول الرقمي والحكامة الاجتماعية: رهانات الأسرة والمجتمع"، الذي احتضنته مدينة فاس المغربية، يسعدني أن أقف أمامكم اليوم بكلمة يملؤها الاعتزاز والفخر، وباسم اللجنة المنظمة وبصفتي إحدى المشاركات في هذا الحدث العلمي العربي الرفيع، لأتوجه إليكم بخالص عبارات الشكر والتقدير والامتنان.

لقد شكل هذا الملتقى، بكل ما حمله من عمق فكري ونقاش علمي رصين، لحظة عربية فارقة واستثنائية، التقت فيها العقول الأكاديمية والخبرات المؤسسية من مختلف الدول العربية، في فضاء واحد هدفه إعادة التفكير في موقع الأسرة العربية داخل عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة بفعل التحول الرقمي.

وفي لحظة تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع تحديات الثورة التكنولوجية، كانت مدينة فاس شاهدة على نقاش جاد ومسؤول حول سؤال محوري: كيف نحمي الأسرة العربية، باعتبارها آخر حصون التماسك المجتمعي، في زمن تتسارع فيه الرقمنة وتتشابك فيه التأثيرات الثقافية والاجتماعية؟

لقد ناقشنا خلال يومي هذا الملتقى قضايا جوهرية تمس صميم بنيتنا الاجتماعية، من تأثيرات الرقمنة على العلاقات الأسرية، إلى تحديات التربية الرقمية، وصولاً إلى إشكالات الأمن السيبراني الأسري والحفاظ على الهوية والقيم. وكان القاسم المشترك بين مختلف المداخلات هو التأكيد على أن الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي الركيزة الأولى لبناء الاستقرار والتنمية وصناعة المستقبل.

كما برزت بوضوح الحاجة إلى بلورة حكامة اجتماعية رقمية عربية قادرة على تحقيق التوازن بين الانفتاح على التكنولوجيا وصون الهوية الثقافية والقيم الأسرية، في عالم لم يعد يعترف بالحدود التقليدية للتواصل والتأثير.

وإنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن تحل المنظمة العربية للأسرة ضيف شرف على هذا الملتقى، بما يعكس مكانتها المتقدمة في الفضاء العربي ودورها الريادي في الدفاع عن قضايا الأسرة. وفي هذا السياق، نثمن عالياً الجهود التي تقودها رئيستها الدكتورة وفاء أبو بكر الكيلاني، التي أكدت في مختلف المحطات أن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في استقرار الأوطان وتنميتها، وأن الأسرة ستظل حجر الأساس في أي مشروع تنموي عربي.

كما أتوجه بأسمى عبارات الشكر والتقدير إلى جميع الوفود المشاركة من مختلف الدول العربية، وإلى الأساتذة والخبراء والباحثين الذين أثروا هذا اللقاء بمداخلاتهم القيمة وأفكارهم العميقة، وإلى كل من ساهم في إنجاح هذا الحدث العلمي، من لجان التنظيم والشركاء والمؤسسات الداعمة.

ورغم بعض الصعوبات التنظيمية البسيطة التي رافقت هذا الملتقى، فإنها لم تكن إلا تفاصيل عابرة أمام حجم الإنجاز العلمي والفكري الذي تحقق، وأمام الروح العالية من التعاون والمسؤولية المشتركة التي طبعت أشغاله، والتي عكست بصدق إرادة جماعية صادقة لإنجاح هذا المشروع العلمي العربي.

لقد خرجنا من فاس برؤية أعمق، وبقناعة راسخة أن الأسرة العربية ليست مجرد موضوع للنقاش، بل هي مشروع حضاري متكامل يستحق أن يُبنى له فكر واستراتيجية وسياسات، تحميه وتدعمه وتؤهله لمواجهة تحديات العصر الرقمي، وتجعله فاعلاً أساسياً في صناعة المستقبل لا مجرد متلقٍ له.

كما خلص هذا اللقاء إلى مجموعة من التوصيات النوعية، من أبرزها الدعوة إلى إعداد رؤية عربية موحدة للحكامة الاجتماعية الرقمية، وتعزيز الأمن الرقمي الأسري، وإدماج التربية الرقمية في المنظومات التعليمية، ودعم البحث العلمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إضافة إلى تمكين المرأة والشباب في الاقتصاد الرقمي، وتكريس هذا الملتقى كموعد سنوي قار تحت مظلة المنظمة العربية للأسرة.

وفي الختام، أجدد شكري وامتناني لكل من ساهم في إنجاح هذا الملتقى العلمي العربي المتميز، وأتطلع بكل فخر إلى مواصلة هذا المسار المشترك، من أجل أسرة عربية أقوى، ومجتمع أكثر تماسكاً، ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.