?بين رياح العولمة الجارفة وثورة التكنولوجيا المتسارعة والتحولات الاجتماعية العميقة التي تعيد تشكيل بنية المجتمعات العربية، تجد الأسرة نفسها اليوم أمام اختبار وجودي غير مسبوق يمسّ تماسكها ووظائفها وقيمها. وفي خضم هذا المشهد المعقّد، تبرز “المنظمة العربية للأسرة والتنمية الاجتماعية” كأحد أهم الأطر الإقليمية غير الحكومية المعنية بالدفاع عن الأسرة العربية وصون استقرارها وتعزيز قدرتها على التكيّف مع تحديات العصر، تحت شعارها الدائم: “الأسرة أولاً… الأسرة دائماً”.

وتعود جذور هذه المنظمة إلى سنة 1977، حين تشكّل وعي عربي مشترك بضرورة إنشاء إطار مؤسسي يعنى بقضايا الأسرة على مستوى إقليمي، فحظيت منذ تأسيسها بدعم عربي واسع واعتراف رسمي من جامعة الدول العربية بموجب قرار مجلس الجامعة رقم 3782 بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 1977، الذي دعا إلى التعاون والتنسيق مع أعمالها وتشجيع الدول العربية على الانضمام إليها، تقديراً لدورها في خدمة قضايا الأسرة العربية وتعزيز قدرات المجتمعات على مواجهة تحولات الحداثة. كما نالت اعترافاً من الحكومة التونسية سنة 1978، لتصبح لاحقاً منظمة ذات حضور إقليمي ودولي، يتيح لها التمثيل والتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة مثل الإسكوا واليونيسف، إلى جانب عدد من المنظمات الدولية ذات الصلة بقضايا الأسرة والتنمية الاجتماعية.

وتتخذ المنظمة من العاصمة التونسية مقراً رئيسياً لها، فيما يوجد مقرها الإقليمي في مدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، في دلالة على امتدادها العربي وتعدد فضاءاتها المؤسسية. وتضم في عضويتها ممثلين عن مؤسسات حكومية ومنظمات مجتمع مدني وجامعات ومراكز بحثية من أكثر من 15 دولة عربية، من بينها الأردن وتونس والجزائر والمملكة العربية السعودية والعراق وفلسطين والصومال وليبيا ولبنان ومصر والمغرب وموريتانيا، إلى جانب مشاركة وتفاعل من دول عربية أخرى مثل الكويت وسلطنة عمان وقطر والسودان وسورية والبحرين واليمن، ما جعلها منصة عربية جامعة للحوار وتبادل الخبرات وصناعة المبادرات المشتركة في المجال الأسري والاجتماعي.

وتنطلق رسالة المنظمة من رؤية تعتبر الأسرة حجر الأساس في بناء المجتمعات، حيث تعمل على رعايتها والنهوض بها بما يمكّنها من أداء وظائفها التربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إلى جانب المساهمة في بلورة سياسات أسرية تتناسب مع خصوصيات كل بلد عربي وفي إطار رؤية عربية مشتركة، مع تعزيز مكانة الأسرة العربية والتعبير عن ذاتها، وتمثيل مصالحها وحقوقها وتطلعاتها أمام المؤسسات الوطنية والدولية، فضلاً عن دعم التعاون والتكامل بين الأسر العربية بما يعزز التضامن الاجتماعي داخل الفضاء العربي.

وفي السنوات الأخيرة، دخلت المنظمة مرحلة جديدة من الحركية والتجديد المؤسسي، خاصة مع انتخاب الدكتورة وفاء أبو بكر الكيلاني رئيسة لمجلس إدارتها، حيث برز توجه واضح نحو تمكين المرأة والشباب والأطفال وكبار السن، وتوسيع نطاق البرامج الميدانية ذات الطابع التوعوي والتأطيري. كما وضعت المنظمة ملف التحول الرقمي في صدارة اهتماماتها، في ظل ما يفرضه من تحديات عميقة على بنية الأسرة العربية، إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للتعلم والتواصل، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في أنماط العلاقات الاجتماعية والقيم والسلوكيات، بما يرافقه من مخاطر العزلة الرقمية والتفكك الأسري والتهديدات السيبرانية التي تستهدف الفئات الناشئة، إضافة إلى تأثير المحتوى الرقمي على المنظومة القيمية للمجتمع.

وانطلاقاً من هذا الوعي، تعمل المنظمة على الدفع نحو بناء مقاربات عربية مشتركة توازن بين الاستفادة من الثورة الرقمية وتحصين الأسرة من آثارها السلبية، عبر تطوير استراتيجيات تربوية وتوعوية وإعلامية، وتعزيز الثقافة الرقمية الآمنة داخل البيوت العربية. ولم تبق هذه الجهود في إطارها النظري، بل انتقلت إلى الميدان من خلال تنظيم ملتقيات علمية وبرامج تدريبية متخصصة، وإقامة شراكات مع جامعات ومؤسسات بحثية ومنظمات دولية، من بينها وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة بالتنمية الاجتماعية، إضافة إلى إحياء مناسبات عربية مرتبطة بالأسرة وتنفيذ مشاريع توعوية تستهدف الأجيال الجديدة بشكل مباشر.

وبهذا المسار، تتعامل المنظمة مع الأسرة باعتبارها قضية تتجاوز البعد الاجتماعي التقليدي لتصل إلى مستوى الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية وتتعقد فيه التحديات. ومنذ تأسيسها إلى اليوم، تؤكد المنظمة العربية للأسرة أن مستقبل المجتمعات العربية يبدأ من داخل البيت، وأن حماية الأسرة وتعزيز تماسكها لم يعد خياراً اجتماعياً فحسب، بل أصبح رهاناً استراتيجياً لمستقبل الأمة برمّتها.