حين اجتمع العرب في فاس لصناعة المستقبل.. المنظمة العربية للأسرة تفتح ملف الأسرة الرقمية وتطلق رؤية استراتيجية جديدة لعصر التحول الذكي
لم يكن انعقاد الملتقى العلمي الدولي الأول حول "التحول الرقمي والحكامة الاجتماعية: رهانات الأسرة والمجتمع" بمدينة فاس مجرد نشاط أكاديمي عابر أو لقاء علمي تقليدي، بل شكل محطة عربية استراتيجية كشفت حجم التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات العربية، وأكدت أن مستقبل الأسرة أصبح أحد أهم الملفات المطروحة على أجندة صناع القرار والخبراء والمؤسسات العربية المعنية بالتنمية المستدامة.
ففي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، وتعيد فيه الثورة الرقمية صياغة العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، باتت الأسرة العربية تواجه تحديات جديدة لم تعرفها الأجيال السابقة. ومن هنا جاءت أهمية هذا الملتقى الذي احتضنته مدينة فاس، المدينة التي ظلت عبر التاريخ مركزاً للإشعاع الفكري والعلمي والحضاري، لتتحول من جديد إلى منصة عربية للحوار حول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في مستقبل المجتمعات العربية.
وقد اكتسب هذا الحدث بعداً خاصاً من خلال حضور المنظمة العربية للأسرة كضيف شرف رسمي، ممثلة بوفد رفيع المستوى ضم الدكتور تيسير أبو جمعة نائب رئيس المنظمة، والدكتور خليفة المحرزي، والدكتورة جميلة مرابط، والدكتور جبر الداعوري، في حين حمل الدكتور أبو جمعة رسالة معالي الدكتورة وفاء أبو بكر الكيلاني، وزيرة الشؤون الاجتماعية الليبية ورئيسة المنظمة العربية للأسرة.
هذا الحضور لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل عكس المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المنظمة العربية للأسرة باعتبارها إحدى أهم المنصات العربية الساعية إلى حماية الأسرة وتعزيز دورها في التنمية ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
اللافت في هذا الملتقى أنه نقل النقاش العربي من مرحلة توصيف التحديات إلى مرحلة البحث عن الحلول وصناعة البدائل. فبدلاً من الاكتفاء بالتحذير من مخاطر التكنولوجيا على الأسرة، انصب النقاش على كيفية تحويل الرقمنة إلى أداة للتمكين الاجتماعي وتعزيز جودة الحياة وتحقيق العدالة الرقمية وحماية التماسك الأسري.
وقدمت كلمة الدكتورة وفاء الكيلاني رؤية متقدمة تؤكد أن الأسرة ليست مجرد مكون اجتماعي، بل هي المؤسسة الأولى التي تُبنى داخلها قيم المواطنة والاستقرار والتنمية. لذلك فإن نجاح أي مشروع تنموي عربي يظل مرتبطاً بقدرة السياسات العمومية على حماية الأسرة وتمكينها من مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
ومن زاوية أخرى، برز الدور المحوري للدكتورة جميلة مرابط، التي نجحت من خلال رئاستها لمجلس الباحثات المتعدد التخصصات في تحويل الملتقى إلى فضاء عربي جامع للحوار والتفكير الاستراتيجي. وقد عكست المشاركة الواسعة لشخصيات أكاديمية ومؤسساتية عربية حجم الاهتمام المتزايد بقضايا الحكامة الاجتماعية والرقمنة وآثارها المباشرة على الأسرة والمجتمع.
التحليل العميق لمخرجات الملتقى يكشف أن الرسالة الأساسية التي خرج بها المشاركون تتمثل في أن التحول الرقمي لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على الجميع. غير أن نجاح هذا التحول يبقى رهيناً بمدى قدرته على خدمة الإنسان وحماية القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية.
كما أن اللقاء الذي جمع وفد المنظمة العربية للأسرة بمعالي وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بالمملكة المغربية أمل الفلاح السغروشني حمل دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها أن التجربة المغربية أصبحت اليوم نموذجاً عربياً متقدماً في مجال الرقمنة والإدارة الحديثة، وأن التعاون العربي في هذا المجال بات ضرورة أكثر منه خياراً.
وتبرز أهمية الملتقى أيضاً في كونه لم يكتف بالنقاشات الفكرية، بل تُوّج بتوصيات عملية وشراكات مؤسساتية واتفاق على جعل هذا الموعد العلمي حدثاً سنوياً دائماً تحت مظلة المنظمة العربية للأسرة، بما يضمن استمرارية الحوار وتطوير المبادرات المشتركة.
إن ما جرى في فاس يتجاوز حدود ملتقى علمي ناجح؛ فهو مؤشر على ميلاد وعي عربي جديد يدرك أن معركة المستقبل لن تكون فقط اقتصادية أو تكنولوجية، بل ستكون أيضاً معركة للحفاظ على الإنسان والأسرة والقيم في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية.
ومن قلب العاصمة العلمية للمغرب، انطلقت رسالة عربية واضحة مفادها أن بناء المستقبل لا يتم عبر التكنولوجيا وحدها، بل عبر توظيفها لخدمة الإنسان وتعزيز استقرار الأسرة وصون الهوية الثقافية وترسيخ قيم التنمية المستدامة.
لقد أكدت فاس مرة أخرى أنها ليست مجرد مدينة للتاريخ، بل فضاء لصناعة المستقبل، فيما أثبتت المنظمة العربية للأسرة بقيادة الدكتورة وفاء الكيلاني وبمساهمة فاعلة من الدكتورة جميلة مرابط أنها تمضي بثبات نحو ترسيخ مشروع عربي طموح يجعل الأسرة في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، ويؤسس لرؤية تنموية جديدة قوامها الإنسان والمعرفة والابتكار والتضامن العربي المشترك.