بقلم الاستاذ نو الدين ودي

مداخلة في الندوة التي نظمتها جمعية وقار للعمر الذهبي
حول "دور الأسرة في تعزيز الصحة النفسية لدى الشخص المسن" تحت شعار عطاء غير محدود ..والعمر مجرد رقم "

الشيخوخة ليست مرضاً، لكن الوحدة مرض قاتل وموت بطيء. و"الأسرة" هي الدواء الأول والأرخص والأكثر فعالية للصحة النفسية عند كبار السن. والمسن لا يموت من المرض بقدر ما يموت من الإهمال والهجر.

بعد التقاعد ووفاة الأقران وفقدان الأدوار والمهام، يولد للمسن الفراغ ثم العزلة والوحدة، ثم القلق والخوف الذي يؤدي إلى الاكتئاب. وقد يشعر أنه عبء وغير مرغوب فيه، وأن مهمته انتهت. وكل هذا أو جزء منه، يؤدي إلى فقدان الذاكرة وبداية الخرف.

ولهذا يحتاج المسن إلى الأسرة نفسياً. وتتقلب الأدوار وتتغير المهام: حيث كان أباً يافعاً مسؤولاً وراعياً لأسرته، جاء دور الأسرة والأبناء والأحفاد في الإدماج والرعاية والاهتمام عندما أصبح مسناً. والرسالة واضحة بمعناها: "نحن هنا" من أجل الأمان العاطفي والجسدي والإدماج النفسي لحماية المسن ورعايته. "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".

إن حماية المسن من العزلة القاتلة تكون بالتواصل والتزاور والسؤال بالهاتف يومياً، وليس فقط بالزيارات المناسباتية كالعيدين أو عند اشتداد مرضه. ورعاية المسن تكون باستعادة أدواره ومهامه، وإحساسه بأهميته، ليبقى "كبير وحكيم العائلة". ويكون ذلك بربطه بأمور العائلة وتكليفه بمهام تناسب عمره، واستشارته في زواج أفراد عائلته، وتسمية الحفيد، وإشغاله بمقابلة الأحفاد والأسباط ومراعاتهم، وسرد القصص والحكايات لهم، وحكي تجربته، وتلاوة القرآن الكريم وتحفيظه لهم. والإلحاح عليه لمشاركته في مناسبات الأفراح والأتراح، كخطبة وزواج أو عقيقة أو عيد ميلاد أو تشييع جنازة، أو الخروج للفسحة والمطاعم والنوادي، وزيارة أصدقائه، وأخذه إلى السوق مع مساعدته في الحركة دون إشعاره بالعجز.

وكذلك الاهتمام بهواياته ورغباته وميولاته، مثل حبه للفن والرسم والموسيقى أو أغانٍ معينة، أو شغفه بالطبيعة أو الرياضة، وأخذه إلى الملاعب. والتركيز أكثر على الجانب الروحي بتذكيره بالصلاة وقراءة القرآن وسماعه من وسائل التواصل. وقد أثبتت الدراسات أن المتدينين من كبار السن أقل اكتئاباً وأكثر تركيزاً وحفظاً لذاكرتهم. "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".

ولا عيب في الحديث مع المسن عن وصيته وعن أمنياته دون خوف، وطمأنته بتنفيذها، من أجل سلامته النفسية وتبديد خوفه وقلقه، ودون إصابته بالأرق والحيرة. وكل هذا يعطي للمسن قيمة ومعنى واهتماماً، فلا يشعر بالفراغ أو العزلة، فتنشط الذاكرة ويتقوى الدماغ.

أما عند غياب الأسرة، أو في بيت متوتر وأبناء مشغولين اتكاليين، أو قلة الزيارات للمسن أو كونها غير منتظمة ومناسباتية، أو الاستمرار في الوعود بالزيارة وعدم الوفاء بها، أو إهماله إلا عند المرض والحاجة، أو عدم إشراكه في القرارات العائلية...

كما أن هناك أخطاء قاتلة تدمر نفسية المسن وجب تجنبها:
-معاملته ومحاسبته كطفل : "لا تخرج وحدك" بصيغة أمر وخوفاً عليه. والبديل هو الخروج معه.
-الاغتيال المعنوي للمسن : هو اتخاذ قرارات تخصه بتغيير غرفته دون مشورته، أو بيع ممتلكاته دون إذنه!
-السخرية من نسيانه "راك خرفتي". وهو يعلم أنه ينسى ويتألم .. والواجب احتضانه وتذكيره بلطف.
-المقارنة بين الأقران "شوف فلان باقي صحيح".
-استعجاله في المشي أو اللباس أو الأكل... إن صبرك عليه صدقة.
- والخطأ القاتل سوء المعاملة والإهمال والتجريح بالألفاظ ، أو الصراخ عليه لأنه بطيء أو ينسى . أو حبسه في غرفة حتى لا يتعب أو لا يشوش على أحد ، أو تصريح أحد أفراد عائلته بأنه "كبر وخرف". كل هذا يكسر كرامته ويدخله في اكتئاب، فيفضل العزلة، وتنهكه الوحدة، وتتدهور الذاكرة، ويكون بلا معنى، وتكون نهايته عزلة الموت.

والنتيجة
ن بيتاً فيه مسن، وقامت الأسرة بأدوارها، تكون هي صيدلية نفسية له، ويكون مسناً منتجاً نفسياً: حكيماً، راضياً، ذاكرته جيدة. والبيت كله بر ورحمة وبركة. وإذا تخلت الأسرة عن أدوارها، ينتج مسن مكتئب، سريع الغضب، كثير الشكوى، فاقد للذاكرة.

إن رعاية مسن نفسياً ليست "عبئاً" يكلف "قفة" ودواء، بل هي استثمار يعود علينا بـ:
-دعاء مستجاب "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ".
-بركة في الرزق والعمر "من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه".
-رسالة وتربية للأولاد ان ابنك يعاملك غداً كما تعامل أباك اليوم.

إن المسن مرآتك بعد 30 سنة. ارحمه اليوم، لتُرحم غداً. والبيت الذي لا يُسمع فيه صوت مسن، بيت ميت نفسياً ولو كان أهله شباباً. والقاعدة الذهبية النبوية الشريفة: "ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم".