في ظل تزايد النقاش العمومي حول بعض مظاهر العنف والجريمة بالمغرب، يطرح الرأي العام أسئلة جوهرية حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة، وما إذا كانت مرتبطة بسلوكيات فردية معزولة أم أنها تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية أعمق. ولتسليط الضوء على هذه الإشكالية من منظور اجتماعي، حاور موقع "لكل الأسرة" الدكتورة لبنى أبقري، الأخصائية الاجتماعية، التي قدمت قراءة علمية شاملة لأبعاد الظاهرة وانعكاساتها على المجتمع المغربي.

* شهدت السنوات الأخيرة تزايد الحديث عن الجريمة والعنف في الفضاءات العامة. كيف تقرئين هذه الظاهرة من منظور اجتماعي؟

من المهم التأكيد أولاً أن الجريمة ليست مجرد فعل فردي معزول أو انحراف شخصي فقط، بل هي ظاهرة اجتماعية معقدة ترتبط بطبيعة المجتمع والتحولات التي يعرفها. عندما نلاحظ تزايد بعض أشكال العنف أو الجريمة، فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول مستوى الاندماج الاجتماعي، وجودة العلاقات داخل الأسرة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة لحاجيات المواطنين. فالجريمة غالباً ما تكون رسالة غير مباشرة تكشف وجود اختلالات في منظومة التنشئة والتربية والإدماج الاجتماعي، ولذلك فإن مقاربتها يجب أن تتجاوز الجانب الأمني إلى فهم جذورها الاجتماعية وأبعادها البنيوية.

* هل يمكن القول إن التحولات الاجتماعية التي يعيشها المغرب ساهمت في انتشار بعض مظاهر الجريمة؟

بالتأكيد. المغرب عرف خلال العقود الأخيرة تحولات سريعة شملت أنماط العيش والعلاقات الأسرية والاقتصادية والثقافية. هذه التحولات أفرزت إيجابيات عديدة، لكنها في المقابل خلقت تحديات جديدة. الهجرة نحو المدن، واتساع الأحياء الهامشية، وتراجع بعض أشكال التضامن التقليدي، كلها عوامل ساهمت في إضعاف آليات الضبط الاجتماعي التي كانت تلعب دوراً مهماً في توجيه السلوك. وعندما تضعف الروابط الاجتماعية ويشعر الفرد بالعزلة أو التهميش، يصبح أكثر عرضة للانحراف أو السلوك العدواني.

* يتحدث علماء الاجتماع عن مفهوم "اللامعيارية". كيف يمكن ربطه بالواقع المغربي؟

اللامعيارية مفهوم قدمه عالم الاجتماع ، ويقصد به حالة يضعف فيها تأثير القيم والقواعد التي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع. اليوم نلاحظ أن جزءاً من الشباب يعيش نوعاً من الصراع بين قيم تقليدية لم تعد تؤثر بنفس القوة، وقيم حديثة لم تستقر بعد بشكل واضح. هذا التداخل يخلق نوعاً من الارتباك القيمي، وقد يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل تمنحهم الشعور بالانتماء أو الاعتراف الاجتماعي حتى لو كانت عبر سلوكيات منحرفة.

* الشباب غالباً ما يوضعون في قلب النقاش المرتبط بالجريمة. ما تفسيركم لذلك؟

الشباب يمثلون الفئة الأكثر حساسية تجاه التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فهم يحملون طموحات كبيرة وأحلاماً مشروعة، لكنهم أحياناً يصطدمون بواقع لا يوفر دائماً نفس الفرص للجميع. حين يشعر الشاب أن مستقبله غامض وأن فرص النجاح محدودة، يتولد لديه إحساس بالإحباط وفقدان الأمل. وهنا نتحدث عن ما يسمى "الحرمان النسبي"، أي شعور الفرد بأنه أقل حظاً مقارنة بما يراه حوله من مظاهر نجاح واستهلاك ورفاهية. هذا الشعور إذا لم تتم معالجته بالدعم والتأطير وفرص الإدماج، قد يتحول إلى غضب أو عنف أو سلوك منحرف.

" ما هو دور الأسرة في الحد من هذه الظاهرة؟

الأسرة هي الحصن الأول للوقاية من الانحراف. فكلما كانت الأسرة متماسكة وقادرة على التواصل والحوار والاحتواء، كلما ساهمت في بناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة الضغوط. للأسف، بعض الأسر اليوم تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تجعلها أقل قدرة على متابعة الأبناء وتوجيههم، وهو ما قد يفتح المجال أمام تأثيرات خارجية سلبية. لذلك نحن بحاجة إلى دعم الأسرة وتمكينها من أدوات التربية الحديثة والتواصل الفعال مع الأبناء.

* وماذا عن المدرسة؟

المدرسة ليست فقط فضاءً للتعليم، بل هي مؤسسة للتنشئة الاجتماعية وصناعة المواطن. عندما يشعر التلميذ بأن المدرسة تمنحه فرصة حقيقية للنجاح والارتقاء الاجتماعي، فإنها تصبح عاملاً للحماية من الانحراف. أما عندما يفقد الثقة في جدوى التعليم أو يشعر بالإقصاء والفشل المستمر، فإن ذلك قد يدفعه إلى البحث عن مسارات بديلة قد لا تكون دائماً إيجابية. لهذا يجب أن تستعيد المدرسة دورها التربوي والتأطيري إلى جانب دورها التعليمي.

* هل المقاربة الأمنية وحدها كافية لمواجهة الجريمة؟

المقاربة الأمنية ضرورية وأساسية لحماية المجتمع وتطبيق القانون، لكن لا يمكن أن تكون الحل الوحيد. الجريمة لا تبدأ في الشارع فقط، بل قد تبدأ من الفشل الدراسي، أو التفكك الأسري، أو البطالة، أو الإقصاء الاجتماعي، أو غياب الأمل في المستقبل. لذلك فإن الوقاية الحقيقية تقوم على التكامل بين الأمن والتربية والثقافة والسياسات الاجتماعية. فكل درهم يستثمر في التعليم والإدماج والدعم الاجتماعي هو استثمار مباشر في الأمن المجتمعي.

* ما الرسالة التي تودين توجيهها للمجتمع المغربي؟

رسالتي هي أن الجريمة ليست قدراً محتوماً، بل ظاهرة يمكن فهمها والحد منها إذا توفرت الإرادة الجماعية. علينا أن نستثمر أكثر في الإنسان، وفي الأسرة، وفي المدرسة، وأن نعزز قيم المواطنة والتضامن والعدالة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يمنح أبناءه الأمل والفرص والكرامة هو مجتمع يقل فيه العنف وتتراجع فيه الجريمة. والأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالقوانين والعقوبات، بل ببناء الثقة بين المواطن ومؤسسات المجتمع، وتحويل الإحساس بالتهميش إلى شعور بالانتماء والمشاركة.

* قراءة ختامية

تؤكد الدكتورة لبنى أبقري، الأخصائية الاجتماعية، أن الجريمة ليست مجرد أرقام أو وقائع متفرقة، بل مؤشر اجتماعي يستدعي قراءة عميقة لأوضاع المجتمع وتحولاته. وبين أهمية الأمن وضرورة الإصلاح الاجتماعي والتربوي، يبقى الرهان الأكبر هو بناء مجتمع أكثر عدالة واحتواءً، يمنح أفراده الأمل والفرص ويحصنهم من الوقوع في دوائر العنف والانحراف.