الأستاذة ابتسام الإسماعيني: هل نصنع جيلاً نزيهاً أم جيلاً يتقن التحايل؟
بقلم: الأستاذة ابتسام الإسماعيني
في كل موسم امتحانات، يعود النقاش نفسه إلى الواجهة: كيف نحارب الغش؟ لكن يبدو أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نحارب الغش فعلاً، أم أننا نكتفي بمطاردة أدواته؟
لقد أصبحت أخبار أجهزة كشف الغش والتشويش والمراقبة الإلكترونية والعقوبات الزجرية تتصدر المشهد التربوي أكثر من أخبار الاجتهاد والتميز والابتكار. وأصبح التلميذ يدخل قاعة الامتحان محاطاً بأجواء أمنية وتقنية توحي له وكأنه مشتبه فيه قبل أن يكون متعلماً يسعى إلى إثبات قدراته. وهنا يبرز سؤال جوهري: أي رسالة تربوية نبعث بها إلى أبنائنا عندما نجعل التكنولوجيا الأمنية محور العملية الامتحانية؟
إن محاربة الغش لا تبدأ من بوابة المؤسسة يوم الامتحان، بل تبدأ من البيت والمدرسة والمجتمع منذ السنوات الأولى للتنشئة. فالقيم لا تُزرع بالأجهزة، وإنما تُزرع بالقدوة والتربية والإقناع. والضمير الحي لا تصنعه الكاميرات ولا أجهزة التشويش، بل تصنعه الأخلاق ومراقبة الله تعالى والشعور بالمسؤولية تجاه النفس والوطن.
صحيح أن الغش ظاهرة تستوجب الحزم، وأن نزاهة الامتحانات ضرورة لا نقاش فيها، لكن التركيز المفرط على الوسائل التقنية قد يقود إلى نتيجة عكسية. فعندما يسمع التلميذ باستمرار عن أجهزة الكشف وأساليب المراقبة، يبدأ بعضهم في البحث عن وسائل أكثر تطوراً للتحايل عليها. وهكذا يتحول الصراع من معركة قيم إلى سباق تقني بين الغشاش وأجهزة المراقبة.
إن التجارب التعليمية الناجحة في عدد من الدول المتقدمة قامت على بناء ثقافة الثقة والمسؤولية الفردية قبل بناء منظومة العقوبات. فالمجتمعات التي نجحت في ترسيخ النزاهة الأكاديمية لم تحقق ذلك فقط عبر الرقابة، وإنما عبر ترسيخ قناعة داخلية لدى المتعلم بأن الغش خيانة لجهده قبل أن يكون مخالفة للقانون.
المشكلة الحقيقية ليست في الهاتف الذي يُهرَّب إلى قاعة الامتحان، بل في العقل الذي اقتنع بأن النجاح يمكن أن يتحقق دون استحقاق. وليست في السماعة الإلكترونية، بل في غياب ثقافة الاعتماد على الذات. فكلما ركزنا على الأدوات ونسينا الأسباب، سنجد أنفسنا كل سنة أمام وسائل غش أكثر تطوراً وأجيال أكثر اقتناعاً بأن المهم هو الإفلات من الرقابة لا احترام القيم.
إن المدرسة ليست مصنعاً للشهادات فقط، بل هي مصنع للمواطن. وإذا نجحنا في إنتاج تلميذ يخشى الكاميرا ولا يخشى ضميره، فإننا نكون قد ربحنا معركة الامتحان وخسرنا معركة التربية.
إن الوطن يحتاج إلى أطباء ومهندسين وقضاة وأساتذة وإداريين يحملون الكفاءة والنزاهة معاً، لأن الشهادة التي تُنتزع بالغش قد تمنح وظيفة، لكنها لا تبني مجتمعاً ولا تصنع مستقبلاً. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على تطوير أجهزة كشف الغش فقط، بل على بناء إنسان يرفض الغش من تلقاء نفسه حتى في غياب أي مراقب.
إن الأمم لا تنهض بكثرة وسائل المراقبة، بل بقوة الضمير. ولا تصنع الأجيال العظيمة بالخوف من العقوبة وحده، بل بالإيمان بأن الصدق قيمة، وأن النجاح الحقيقي هو ذلك الذي يتحقق بالاجتهاد والاستحقاق.
فهل نريد جيلاً يخاف الأجهزة؟ أم جيلاً يحترم نفسه قبل أن يحترم القانون؟ هنا يكمن جوهر القضية، وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.