يشهد المغرب اليوم مرحلة مفصلية في مسار ترسيخ الجهوية المتقدمة، باعتبارها خياراً استراتيجياً لتعزيز التنمية الترابية وتحقيق التوازن بين مختلف الجهات. وفي صلب هذا الورش الوطني تبرز العدالة المجالية كأحد المبادئ الأساسية التي يفترض أن تؤطر السياسات العمومية وتوجه آليات توزيع الموارد والدعم العمومي وفق منطق الإنصاف والنجاعة وتكافؤ الفرص.

غير أن الحديث عن العدالة المجالية لا ينبغي أن يقتصر على البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والأنشطة الأكاديمية، باعتبارها من أهم ركائز التنمية الحديثة ومؤشرات التقدم والتنافسية بين الجهات.

لقد منح المشرع المغربي للجهات اختصاصات واسعة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وجعل من تأهيل الرأسمال البشري وتشجيع الابتكار والبحث العلمي مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة. ومع ذلك، لا تزال الأنشطة العلمية، وخاصة الملتقيات والمؤتمرات الدولية، تعاني في عدد من الجهات من محدودية الدعم وضعف المواكبة المؤسساتية، رغم ما تمثله من قيمة مضافة على المستويات العلمية والاقتصادية والدبلوماسية.

فاللقاءات العلمية الدولية لم تعد مجرد مناسبات أكاديمية عابرة، بل تحولت إلى منصات استراتيجية لإنتاج المعرفة وتبادل الخبرات وبناء الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العلمية عبر العالم. كما أصبحت فضاءات للتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والثقافية والعلمية للجهات المستضيفة، وتعزيز حضورها ضمن شبكات التعاون الدولي واقتصاد المعرفة.

ومن خلال هذه التظاهرات، تتاح للجهات فرص حقيقية لتقوية إشعاعها الخارجي، واستقطاب الخبرات والكفاءات والاستثمارات المرتبطة بالابتكار والبحث العلمي، فضلاً عن ترسيخ صورتها كفضاء قادر على احتضان المبادرات العلمية الكبرى. لذلك فإن دعم هذه الأنشطة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد نفقة عمومية، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في الرأسمال المعرفي والدبلوماسية الترابية والتنمية المستدامة.

غير أن المتتبع لواقع الدعم العمومي الموجه للأنشطة العلمية يلاحظ وجود اختلالات واضحة في ترتيب الأولويات. ففي الوقت الذي يفترض أن تشكل فيه المؤتمرات والملتقيات العلمية الدولية جزءاً من استراتيجية الإشعاع الترابي للجهات، نجد أن العديد منها يُنظم بإمكانيات محدودة وباعتماد شبه كلي على جهود الباحثين والجامعات والجمعيات العلمية، في ظل غياب مواكبة مؤسساتية تتناسب مع أهمية هذه المبادرات وأثرها التنموي.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عندما تصبح بعض قرارات الدعم خاضعة لاعتبارات غير موضوعية، فتطغى أحياناً الحسابات السياسية والانتخابية على منطق الاستثمار في العلم والمعرفة. وبدل أن يتم اعتماد معايير ترتكز على جودة المشروع العلمي وقيمته الأكاديمية وأثره الدولي وانعكاساته الإيجابية على صورة الجهة ومكانتها، يتم في بعض الحالات توجيه الموارد نحو أنشطة تحظى بجدوى إعلامية أو انتخابية أكبر، رغم محدودية أثرها التنموي الحقيقي.

إن هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التزام بعض المجالس الجهوية بروح الجهوية المتقدمة التي تقوم على الحكامة الجيدة والشفافية والإنصاف. فالعدالة المجالية لا تعني فقط توزيع المشاريع بين الأقاليم والجماعات، بل تعني أيضاً تمكين مختلف الفاعلين من فرص متكافئة للاستفادة من الدعم العمومي وفق معايير واضحة وموضوعية، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو شخصية.

كما أن إضعاف الدعم الموجه للملتقيات العلمية الدولية يحرم الجهات من فرص ثمينة لتعزيز حضورها الوطني والدولي. فكل مؤتمر أو منتدى علمي يستقطب باحثين وخبراء من مختلف دول العالم يشكل نافذة للتعريف بإمكانات الجهة وفرصة لبناء جسور التعاون مع مؤسسات أكاديمية وهيئات دولية ومراكز بحث متخصصة، وهو ما ينعكس إيجاباً على التنمية المحلية وعلى صورة الجهة في المحافل العلمية العالمية.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في المقاربة المعتمدة في تدبير الدعم العمومي المخصص للأنشطة العلمية، عبر إرساء آليات شفافة وعادلة تستند إلى مؤشرات دقيقة وموضوعية، من قبيل جودة البرنامج العلمي، وعدد المشاركين الدوليين، وقيمة المخرجات البحثية، وحجم الشراكات المتوقعة، ومدى مساهمة النشاط في تعزيز إشعاع الجهة وطنياً ودولياً.

إن بناء جهة قوية ومؤثرة لا يتحقق فقط عبر الطرق والمباني والمشاريع المادية، بل يمر أيضاً عبر الاستثمار في الإنسان والعلم والمعرفة والابتكار. فالتنمية الحقيقية هي تلك التي تجمع بين البنية التحتية والبنية الفكرية، وبين الاقتصاد المادي والاقتصاد المعرفي.

لذلك، فإن العدالة المجالية الحقيقية تقتضي أن تصبح التظاهرات العلمية الدولية ضمن أولويات السياسات الجهوية، وأن يُنظر إليها باعتبارها رافعة أساسية للتنمية وأداة فعالة لتعزيز مكانة الجهات المغربية داخل الفضاءين الوطني والدولي.


فالمجالات الترابية التي تستثمر في العلم تصنع المستقبل وتكسب رهانات التنمية والتميز، أما تلك التي تضع المعرفة في آخر سلم الأولويات فإنها تخاطر بفقدان فرص ثمينة للإشعاع والتقدم وبناء اقتصاد قائم على الابتكار والكفاءة.