مريم شوقي لـ«لكل الأسرة»: ما نُخفيه في أعماقنا أخطر مما نتصور... وصمت المشاعر الشرارة الأولى للأزمات التي تهدد استقرار الأسرة.
في خضم التحولات المجتمعية المتلاحقة وما تفرضه من تحديات نفسية وإنسانية متزايدة، باتت الصحة النفسية تحتل موقعاً متقدماً ضمن القضايا الأكثر إلحاحاً في حياة الأفراد والأسر. وبين متطلبات الحياة المتسارعة وتشابك الأدوار والضغوط اليومية، تزداد الحاجة إلى رؤى علمية متخصصة تسهم في فهم النفس البشرية وتقديم مفاتيح التوازن والاستقرار النفسي داخل الأسرة والمجتمع
في هذا الحوار الخاص، يستضيف موقع "لكل الأسرة" الأخصائية النفسية الإكلينيكية الأستاذة مريم شوقي، التي اختارت أن تجعل من التوعية النفسية رسالة إنسانية، ومن العلم جسراً لفهم الذات والعلاقات الأسرية. تحدثنا معها عن الصحة النفسية داخل الأسرة، والعلاقات الزوجية، والتحديات التي تواجه النساء والأمهات، وأهمية الدعم النفسي في بناء مجتمع أكثر توازناً واستقراراً.
* بدايةً، نود أن نُعرّف قراءنا أكثر بضيفتنا الكريمة، من هي الأستاذة مريم شوقي؟
الأستاذة مريم شوقي أنا أخصائية نفسية إكلينيكية أمارس عملي بمدينة الدار البيضاء، وأهتم بمجال المواكبة والدعم والعلاج النفسي. أركز في مساري المهني على الصحة النفسية للمرأة والأسرة، وأواكب العديد من الحالات المرتبطة بالتحديات النفسية والعاطفية التي تواجه الأفراد في مختلف مراحل حياتهم.
* ما أبرز المجالات التي تشغل اهتمامكم المهني والبحثي؟
أهتم بشكل خاص بالصحة النفسية للمرأة، والعلاقات الزوجية والأسرية، والصحة النفسية للأمهات، إلى جانب نشر الوعي النفسي المبني على المعرفة العلمية. كما أتابع باهتمام العلاقة بين علم النفس الإكلينيكي وعلوم الأعصاب السلوكية لفهم السلوك الإنساني بشكل أعمق والمساهمة في تقديم دعم نفسي أكثر فعالية وإنسانية.
* ما الرسالة التي تحرصون على إيصالها من خلال عملكم ومشاركاتكم الإعلامية؟
أؤمن بأن الصحة النفسية حق أساسي لكل إنسان، وأن نشر الوعي النفسي بطريقة علمية مبسطة يساعد على بناء أسر أكثر توازناً ومجتمعات أكثر استقراراً. لذلك أحرص دائماً على تقريب المعرفة النفسية من الناس وربطها بواقعهم اليومي وقضاياهم الحياتية.
* كيف تعرف الأستاذة مريم شوقي الصحة النفسية في بعدها الحقيقي؟
الصحة النفسية ليست مجرد غياب الاضطرابات أو الأمراض النفسية، بل هي حالة من التوازن الداخلي التي تسمح للفرد بالتكيف مع تحديات الحياة وبناء علاقات صحية واتخاذ قرارات سليمة. عندما يكون الإنسان متوازناً نفسياً يصبح أكثر قدرة على العطاء والإنتاج ومواجهة الصعوبات دون أن يفقد استقراره الداخلي.
* ما أبرز التحديات النفسية التي أصبحت تواجه الأسر المغربية اليوم؟
هناك مجموعة من التحديات المتداخلة، أبرزها ضغوط الحياة الاقتصادية، وتسارع وتيرة الحياة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الإنسانية، إضافة إلى ضعف مهارات التواصل داخل الأسرة. هذه العوامل قد تؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر والشعور بالعزلة رغم توفر وسائل التواصل الحديثة.
* أنتم تولون اهتماماً خاصاً بالأمهات، لماذا هذه الفئة بالتحديد؟
لأن الأم تمثل حجر الأساس داخل الأسرة. فخلال مرحلة الحمل وما بعد الولادة تمر المرأة بتحولات جسدية ونفسية وعاطفية عميقة قد تجعلها أكثر عرضة للإرهاق النفسي والقلق أو حتى اكتئاب ما بعد الولادة. عندما تتلقى الأم الدعم المناسب فإن ذلك ينعكس إيجاباً على الطفل والأسرة بأكملها.
* كيف يمكن التمييز بين الضغوط اليومية العادية وبين الحاجة إلى استشارة نفسية متخصصة؟
عندما تستمر المعاناة لفترة طويلة وتبدأ في التأثير على الحياة اليومية أو العلاقات الاجتماعية أو الأداء المهني والأسري، فإن ذلك يعد مؤشراً يستدعي طلب المساعدة المتخصصة. التدخل المبكر غالباً ما يكون أكثر فعالية ويمنع تفاقم المشكلات.
* شهدنا مؤخراً نقاشاً واسعاً حول العلاقات الزوجية والخيانة من منظور نفسي، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟
الخيانة الزوجية ظاهرة معقدة لا يمكن اختزالها في تفسير واحد أو حكم أخلاقي فقط. فهي نتيجة تفاعل عوامل نفسية وعاطفية واجتماعية وأحياناً بيولوجية. فهم هذه العوامل لا يهدف إلى تبرير السلوك، وإنما إلى فهم أسبابه الحقيقية والبحث عن حلول فعالة تحمي العلاقة والأسرة.
* ما أهمية الحوار داخل العلاقة الزوجية؟
الحوار هو العمود الفقري لأي علاقة ناجحة. عندما يتوقف الزوجان عن التعبير عن احتياجاتهما ومشاعرهما تبدأ المسافات النفسية في الاتساع. التواصل الصادق والاحترام المتبادل والاستماع الفعّال من أهم عناصر الوقاية من الكثير من المشكلات الزوجية.
* كيف يمكن للأسرة أن تعزز الصحة النفسية لأفرادها؟
من خلال توفير بيئة آمنة قائمة على التقدير والاحترام والدعم المتبادل. الأسرة التي تمنح أفرادها مساحة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف أو أحكام قاسية تساعدهم على بناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة الحياة بثقة.
* هل يمكن للرياضة والأنشطة اليومية أن تلعب دوراً في تحسين الصحة النفسية؟
بالتأكيد. ممارسة الرياضة والنشاط البدني، والانخراط في أنشطة اجتماعية وثقافية مفيدة، وتحقيق أهداف شخصية واقعية، كلها عوامل تساهم في تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالرضا والتوازن النفسي.
* ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى قراء موقع "لكل الأسرة"؟
أود أن أؤكد أن الاهتمام بالصحة النفسية ليس علامة ضعف، بل دليل وعي ونضج ومسؤولية تجاه الذات والأسرة. كما أن طلب المساعدة النفسية عند الحاجة خطوة شجاعة تساعد الإنسان على استعادة توازنه وتحسين جودة حياته وعلاقاته.