تأتي قصيدة "حل عويناتك" للشاعر خالد فولان كصرخة شعرية صادقة تهز الوجدان وتدعو الإنسان إلى إعادة النظر في واقعه، وفي علاقته بنفسه ومجتمعه ودنياه الزائلة.

منذ المطلع الأول للقصيدة، يختار الشاعر أسلوب المواجهة المباشرة من خلال عبارة "حل عويناتك" التي تتكرر كنداء متواصل، ليس موجهاً لشخص بعينه، بل للإنسان عموماً؛ ذلك الإنسان الذي أغلق عينيه عن الحقائق الكبرى، وانشغل بصراعات الدنيا ومغرياتها، ناسياً أن العمر قصير وأن النهاية واحدة للجميع.

يقول الشاعر:

علاش العوينات على الحق مسدودة
وأيامك في الدنيا قليلة معدودة

هنا يضع خالد فولان المتلقي أمام سؤال وجودي عميق، يدفعه للتفكير في قيمة الحياة وحقيقة المصير. فالقصيدة لا تكتفي بالنقد، بل تدعو إلى اليقظة الروحية والأخلاقية قبل فوات الأوان.

وتنتقل الأبيات بعد ذلك إلى تشخيص واقع اجتماعي مؤلم، حيث يتحدث الشاعر عن الظلم والجشع وضياع الحقوق، متسائلاً عن أسباب استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، في صورة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها المجتمع المعاصر:

علاش هذا ضيع هذا
وعلاش هذا كال حق هذا

إنها أسئلة تحمل في طياتها إدانة واضحة لكل أشكال الظلم والاستغلال، وتكشف حساً إنسانياً عالياً لدى الشاعر الذي يرى أن الأزمة الحقيقية ليست في الفقر أو الظروف فقط، بل في غياب الضمير والقيم.

وفي مقطع آخر، يرسم خالد فولان لوحة قاتمة لحياة أصبحت فيها السعادة مسروقة، والأمل محاصراً، حيث يقول:

"سرقوا منا السعادة
قتلونا بزيادة على زيادة
وأيامنا كل نهار مجرد إعادة"

وهي صورة تعبر عن حالة الإحباط والتكرار والملل التي يعيشها كثير من الناس في ظل ضغوط الحياة وتحدياتها المتزايدة، حتى أصبحت الأيام متشابهة، والأحلام مؤجلة.

كما تتناول القصيدة أزمة الثقة التي أصبحت سمة بارزة في العلاقات الإنسانية، حين يشير الشاعر إلى خيبة الأمل في أشخاص كان يُعوَّل عليهم، لكنهم اختاروا الهروب وترك الآخرين يواجهون مصيرهم وحدهم:

"عولنا على ناس
هربوا وخلاوا حياتنا ظلام في ظلام"

هذا المقطع يجسد بصدق مرارة الخذلان التي قد يتعرض لها الإنسان عندما يكتشف أن بعض من وثق بهم لم يكونوا عند حسن الظن.

غير أن الرسالة الأعمق في القصيدة تتجلى في حديث الشاعر عن حقيقة الدنيا وتقلباتها. فهو يحذر من الغرور والانخداع بالمظاهر والمكاسب المؤقتة، مؤكداً أن الدنيا لا تدوم لأحد، وأن ما تمنحه اليوم قد تسلبه غداً:

"الدنيا كيف ما عطاتك اليوم
غدا تكلع ليك"

إنها حكمة شعبية عميقة تنبع من التجربة الإنسانية، وتذكر القارئ بأن الثبات الحقيقي ليس في المال أو الجاه أو النفوذ، بل في القيم والعمل الصالح والوعي بحقيقة الوجود.

فنياً، اعتمد خالد فولان على لغة بسيطة قريبة من الناس، مستوحاة من اللهجة المغربية الأصيلة، ما منح النص قوة تعبيرية وصدقاً شعورياً كبيراً. كما أن تكرار عبارة "حل عويناتك" شكل لازمة شعرية ناجحة عززت الرسالة الأساسية للقصيدة وجعلتها أكثر تأثيراً في المتلقي.

وفي المجمل، يمكن اعتبار قصيدة "حل عويناتك" نصاً شعرياً يحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية وأخلاقية عميقة، استطاع من خلاله الشاعر خالد فولان أن يعبر عن هموم الناس وآلامهم، وأن يوجه دعوة صريحة للاستيقاظ من غفلة الواقع، والتأمل في حقيقة الحياة قبل أن يداهم الإنسان زمن الندم.

إنها قصيدة لا تكتفي بالكلمات، بل تتحول إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه، وإلى رسالة تذكير بأن ما يدوم في النهاية ليس ما نملك، بل ما نتركه من أثر وقيم ومواقف نبيلة.

القصيدة كاملة

حل عويناتك

حل عويناتك
علاش العوينات على الحق مسدودة ؟
وايامك في الدنيا قليلة معدودة؟
ناس واقفة اليوم وغدا
في القبر ناعسة ممدودة
علاش هذا ضيع هذا؟
وعلاش هذا كال حق هذا؟
ساعة الموت ما تفكر شهادة

حل عويناتك
واقفين ونشوفوا لهاونا
سرقوا منا السعادة
قتلونا بزيادة على زيادة
وايامنا كل نهار مجرد إعادة

ياخيي
حل عويناتك
قوات فينا الهضرة
وولى فينا شلة كلام
عولنا على ناس
هربوا وخلاوا حياتنا ظلام في ظلام
نساعفوا ونعديوا مع ليام
الخاطر خاسرة والقلب مضيام
واه عليك يا بنادم

حل عويناتك
ناعس بنهار وفايق بالليل
ما تعرف تتكلم
ما فيك صواب ما تعرف تاويل
خيرك كثير وزهرك قليل

حل عويناتك
ما يغويك راسك
الا الدنيا عطاتك
ما تقول واها بغاتك
الدنيا كيف ما عطاتك اليوم
غذا تكلع ليك
واللي تعنيتي به
وتحاميتي فيه
قد ما طال الزمان
يمشي ويخليك
رد بالك
رآه حتى حاجة ما تدوم ليك

شعر.... خالد فولان.