في سماء الإبداع المغربي، حيث تتلاقى رسالة الفن مع نبالة التربية، وتتحول الموسيقى إلى منارة للأمل وصناعة الإنسان، تبرز أسماء استثنائية كرّست حياتها لخدمة الثقافة والفنون الهادفة، وجعلت من الإبداع رسالة سامية تتجاوز حدود الترفيه نحو التربية والتثقيف والتنمية الإنسانية. وفي زمن باتت فيه الفنون إحدى أهم الوسائل لبناء الإنسان وصقل شخصيته وترسيخ قيم الجمال والانفتاح والتسامح، يبرز اسم الأستاذة بديعة العراقي كواحد من أبرز الأسماء النسائية اللامعة في المشهد الثقافي والتربوي المغربي.

فهي رئيسة الجامعة الوطنية لموسيقى الطفولة والشباب، ورئيسة جمعية العدوتين للموسيقى، ومديرة المهرجان الدولي لموسيقى وأغنية الطفل التربوية، ومديرة المهرجان الوطني للشباب، وهي شخصية ثقافية وتربوية كرّست مسارها لخدمة الطفولة والشباب عبر الموسيقى الهادفة، مؤمنة بأن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل مدرسة متكاملة لبناء الأجيال وصناعة الوعي وترسيخ القيم الإنسانية النبيلة.

ومن خلال مشاريعها ومبادراتها الرائدة، استطاعت أن تجعل من الموسيقى جسراً للتواصل بين الثقافات، وفضاءً لاكتشاف المواهب وصقل الطاقات الإبداعية لدى الأطفال والشباب، وأن تمنح للمهرجانات والتظاهرات التي تشرف عليها بعداً وطنياً ودولياً جعلها محطات ثقافية بارزة تحتفي بالفن الملتزم والرسالة التربوية الهادفة.

في هذا الحوار الخاص مع مجلة «لكل الأسرة»، تفتح الأستاذة بديعة العراقي صفحات من مسيرتها الحافلة بالعطاء، وتتحدث عن رؤيتها للموسيقى التربوية، وأهم التحديات التي تواجه العمل الثقافي الموجه للأطفال والشباب، كما تكشف عن طموحاتها المستقبلية ورهاناتها من أجل ترسيخ مكانة الفن في خدمة التنمية والتربية وصناعة الأمل.


بداية، من هي الأستاذة بديعة العراقي بعيدا عن المناصب والألقاب؟


أنا امرأة مغربية آمنت منذ سنوات طويلة بأن الفن رسالة إنسانية وتربوية قبل أن يكون وسيلة للترفيه. عشقي للموسيقى بدأ مبكراً، وتحول مع مرور الزمن إلى مشروع حياة هدفه خدمة الأطفال والشباب ومساعدتهم على اكتشاف مواهبهم وبناء شخصياتهم من خلال الفن والثقافة. أعتبر نفسي خادمة لقضايا الطفولة والشباب، وأسعى دائماً إلى جعل الموسيقى جسراً للأمل والتواصل والتنمية.


تشغلون عدة مناصب مهمة في المجال الثقافي والتربوي، كيف توفقون بين هذه المسؤوليات؟


صحيح أن المسؤوليات متعددة، لكن يجمعها هدف واحد وهو خدمة الطفولة والشباب عبر الموسيقى والتربية الفنية. سواء من خلال رئاسة جمعية العدوتين للموسيقى أو الجامعة الوطنية لموسيقى الطفولة والشباب أو إدارة المهرجانات التي أشرف عليها، فإنني أعمل ضمن رؤية متكاملة تجعل من الفن أداة للتربية والتكوين والانفتاح على الآخر.


كيف تقيّمون واقع الموسيقى التربوية بالمغرب اليوم؟


المغرب يزخر بطاقات ومواهب واعدة، لكن الموسيقى التربوية تحتاج إلى مزيد من الدعم والتأطير والمؤسسات المتخصصة. نحن بحاجة إلى ترسيخ الثقافة الفنية داخل المنظومة التربوية، لأن الموسيقى تساهم في تنمية الذكاء والإبداع وتعزز الثقة بالنفس لدى الأطفال والشباب.


المهرجان الدولي لموسيقى وأغنية الطفل التربوية أصبح موعداً ثقافياً مهماً، ما سر استمراره ونجاحه؟


سر النجاح يكمن في الإيمان بالفكرة منذ البداية. هذا المهرجان لم يكن مجرد تظاهرة فنية، بل مشروع تربوي وثقافي متكامل. حرصنا على أن يكون فضاءً لاكتشاف المواهب وصقلها، ومنبراً لترسيخ القيم الإنسانية النبيلة مثل التسامح والسلام والمواطنة والتعايش.
كما أن الانفتاح على تجارب دولية مختلفة ساهم في منحه بعداً عالمياً وجعله منصة للتبادل الثقافي بين الأطفال والشباب من مختلف البلدان.


ما الرسالة التي يحملها هذا المهرجان للأطفال؟


رسالته الأساسية هي أن لكل طفل الحق في الحلم والإبداع والتعبير عن ذاته. نريد أن يشعر الطفل بأن موهبته قيمة، وأن المجتمع يقدر إبداعه. كما نحرص على أن تكون الأغنية والموسيقى وسيلتين لغرس القيم الإيجابية وبناء شخصية متوازنة.


عرف عنكم اهتمامكم بالفئات الهشة وذوي الاحتياجات الخاصة، لماذا هذا التوجه؟


لأن الفن للجميع دون استثناء. من واجبنا أن نتيح الفرصة لكل طفل مهما كانت ظروفه الاجتماعية أو الصحية. لقد لمسنا كيف يمكن للموسيقى أن تغير حياة الأطفال وتمنحهم الثقة والأمل والشعور بالاندماج داخل المجتمع.


كيف تنظرون إلى دور الأسرة في اكتشاف المواهب الفنية؟


الأسرة هي المدرسة الأولى للمواهب. عندما يجد الطفل التشجيع والدعم داخل بيته، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والتطور. لذلك أدعو الآباء والأمهات إلى الإنصات لأبنائهم وتشجيعهم على ممارسة الفنون والثقافة وعدم اعتبارها أموراً ثانوية.


أنتم أيضاً رئيسة الجامعة الوطنية لموسيقى الطفولة والشباب، ما أهم أهداف هذه المؤسسة؟


نسعى إلى نشر الثقافة الموسيقية بين الأطفال والشباب، وتطوير برامج التكوين والتأطير الفني، وتشجيع البحث في مجال الموسيقى التربوية، بالإضافة إلى خلق جسور للتعاون بين مختلف الفاعلين الثقافيين والتربويين داخل المغرب وخارجه.


ما أبرز التحديات التي تواجه العمل الثقافي والفني الموجه للأطفال؟


من أهم التحديات توفير الإمكانيات اللازمة لاستمرار المشاريع الثقافية، وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، إضافة إلى مواكبة التحولات الرقمية التي يعيشها العالم. كما أن الحفاظ على جودة المحتوى التربوي والفني يشكل تحدياً دائماً بالنسبة لنا.


ما الذي تمثله الموسيقى بالنسبة لكم شخصياً؟

الموسيقى بالنسبة لي لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. هي وسيلة للتواصل بين الشعوب، ورسالة محبة وسلام، وأداة فعالة لبناء الإنسان. أؤمن بأن الموسيقى قادرة على تغيير النفوس وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً.


كيف ترون مكانة المرأة المغربية في المشهد الثقافي والفني؟


المرأة المغربية أثبتت حضورها في مختلف المجالات، والثقافة والفنون ليست استثناءً. هناك نماذج نسائية مشرّفة ساهمت في إثراء الساحة الثقافية والفنية، وأنا مؤمنة بأن المرأة قادرة على قيادة مشاريع كبرى وتحقيق نجاحات متميزة عندما تتوفر لها الفرصة.


ما هي الرسالة التي توجهونها للشباب المغربي؟

أقول للشباب: آمنوا بأحلامكم، واستثمروا في مواهبكم، واجعلوا من الثقافة والفن أدوات لبناء مستقبلكم. النجاح يحتاج إلى العمل والاجتهاد والصبر، والمغرب يحتاج إلى طاقات شبابية مبدعة ومؤمنة بقيم الوطن والإنسانية.


كلمة أخيرة لقراء مجلة "لكل الأسرة".


أتوجه بالشكر إلى مجلة "لكل الأسرة" على هذا اللقاء الكريم، وأدعو جميع الأسر المغربية إلى الاهتمام بالفن والثقافة داخل البيت والمدرسة، لأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان. كما أجدد التزامي بمواصلة العمل من أجل الطفولة والشباب وخدمة الموسيقى التربوية التي أؤمن بأنها تصنع الأمل وتبني المستقبل.


خاتمة الحوار

تظل الأستاذة بديعة العراقي واحدة من أبرز الوجوه الثقافية والتربوية بالمغرب، وسيدة كرّست حياتها لخدمة الموسيقى الهادفة وقضايا الطفولة والشباب. ومن خلال مسارها الحافل بالعطاء، استطاعت أن تجعل من الفن مدرسة للقيم والجمال، وأن تترك أثراً إيجابياً في حياة أجيال من الأطفال والشباب داخل المغرب وخارجه، لتبقى نموذجاً مشرفاً للمرأة المغربية الرائدة في العمل الثقافي والتربوي والإنساني.