الدكتور محمد الحجيرة
رئيس لجنة المراقبة المالية والحكامة بالبرلمان

لم يعد سؤال الاستثمار في الجهات المهمشة بالمغرب مجرد نقاش اقتصادي عابر، بل أصبح مدخلًا حقيقيًا لفهم عمق التحولات التي يعيشها النموذج التنموي الوطني، ومدى قدرة الدولة على الانتقال من واقع “المغرب بسرعتين” إلى مغرب أكثر توازنًا وإنصافًا وتكاملًا. فبرغم ما حققته المملكة خلال العقود الأخيرة من طفرة واضحة في البنيات التحتية، والانفتاح الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات الكبرى، ما تزال الفوارق المجالية تفرض نفسها كأحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه مسار التنمية.

لقد أفرزت دينامية الاستثمار العمومي والخاص خريطة اقتصادية غير متوازنة، تميل بشكل واضح نحو تمركز الثروة وفرص النمو داخل الأقطاب الحضرية الكبرى، خاصة محور الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، وطنجة–تطوان–الحسيمة، وهي الجهات التي تحولت إلى مراكز اقتصادية وصناعية تستقطب النصيب الأكبر من الاستثمارات الأجنبية والبنيات التحتية الحديثة ومراكز القرار المالي والإداري. وفي المقابل، ما تزال العديد من الجهات الداخلية والقروية، خصوصًا مناطق الأطلس والجنوب الشرقي وبعض الأقاليم الهامشية، تعاني من ضعف جاذبية الاستثمار، وهشاشة البنيات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة والهجرة الداخلية.

هذا التفاوت المجالي لا يرتبط فقط بضعف الإمكانيات، بل يكشف أيضًا عن استمرار اختلالات هيكلية في توزيع التنمية، حيث غالبًا ما تظل المناطق المهمشة خارج دوائر الإنتاج الحقيقي للثروة، لتتحول إلى فضاءات مستهلكة للدعم بدل أن تصبح فاعلًا اقتصاديًا منتجًا وقادرًا على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل بشكل مستدام.

ورغم الجهود التي بذلتها الدولة عبر برامج متعددة، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، وصندوق التنمية القروية، إضافة إلى التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد الذي جعل العدالة المجالية ضمن أولوياته، فإن النتائج المحققة ما تزال دون مستوى التحول البنيوي المطلوب. فالكثير من هذه المشاريع ركزت على تحسين البنيات الأساسية من طرق وماء وكهرباء، دون أن تنجح بالشكل الكافي في بناء منظومات اقتصادية محلية قادرة على خلق دينامية إنتاجية ذاتية ومستدامة.

كما أن إشكالية الحكامة الترابية ما تزال تمثل أحد أبرز العراقيل أمام فعالية السياسات الاستثمارية، بسبب تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهات والجماعات الترابية، إلى جانب بطء المساطر الإدارية وضعف التنسيق المؤسساتي، وهو ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى تعثر المشاريع أو غياب انسجامها مع الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الجهات المهمشة نفسها تزخر بإمكانات اقتصادية هائلة وغير مستغلة بالشكل الكافي، سواء في مجال الطاقات المتجددة، أو الفلاحة التضامنية، أو السياحة البيئية والثقافية، أو الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهي قطاعات قادرة، إذا ما تم تأطيرها بسياسات عمومية ذكية ومندمجة، على تحويل هذه المناطق إلى أقطاب إنتاج حقيقية بدل بقائها رهينة منطق الدعم والمساعدات.

ومن هنا، يبرز التحدي الحقيقي المتمثل في ضرورة إعادة النظر في فلسفة جذب الاستثمار، عبر الانتقال من منطق الامتيازات الظرفية إلى بناء منظومات ترابية متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والرأسمال البشري، والابتكار، وسلاسل القيمة المحلية. فالتنمية لم تعد تقاس فقط بحجم المشاريع، بل بقدرتها على خلق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام داخل المجال الترابي نفسه.

وفي هذا السياق، يبقى القطاع الخاص شريكًا أساسيًا في معركة تقليص الفوارق المجالية، غير أن استثماره داخل المناطق الهامشية ما يزال محدودًا بسبب ارتفاع كلفة المخاطر وضعف الحوافز والضمانات. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة هندسة السياسات التحفيزية بشكل أكثر جرأة، سواء عبر الامتيازات الجبائية أو تسهيل التمويل أو توفير بيئة لوجستية قادرة على ربط هذه الجهات بالأسواق الوطنية والدولية.

إن استمرار الفوارق الترابية لا يحمل فقط أبعادًا اقتصادية، بل ينعكس أيضًا على التماسك الاجتماعي والثقة في السياسات العمومية، خاصة لدى فئة الشباب التي ترى في اختلال توزيع التنمية أحد أسباب الإقصاء وغياب تكافؤ الفرص. لذلك فإن تجاوز نموذج “المغرب بسرعتين” لا يمكن أن يتحقق عبر حلول ظرفية أو مشاريع معزولة، بل يتطلب تحولًا عميقًا في فلسفة التنمية الوطنية، يقوم على جعل كل جهة فضاءً منتجًا وفق مؤهلاته الخاصة.

كما أن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطًا بشكل مباشر بالاستثمار في الرأسمال البشري، عبر تعليم وتكوين مهني منسجمين مع حاجيات الاقتصاد المحلي والجهوي، بما يضمن تحويل الشباب من قوة معطلة إلى طاقة إنتاجية قادرة على قيادة التنمية داخل مجالاتها الترابية.

وفي ظل التحولات الرقمية العالمية، يبرز أيضًا دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كرافعة جديدة لتقليص الفوارق المجالية، من خلال تحسين الحكامة، وتوجيه الاستثمار، وخلق فرص اقتصادية جديدة داخل الاقتصاد الرقمي، بما يمنح الجهات البعيدة فرصة الاندماج في الدورة الاقتصادية الحديثة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن المغرب يوجد اليوم في مرحلة انتقالية بين نموذج تنموي غير متوازن، وآخر يسعى إلى ترسيخ العدالة المجالية والتنمية الدامجة. غير أن هذا الانتقال سيظل غير مكتمل ما دامت الفوارق بين الجهات قائمة بهذا الشكل، وما دام الاستثمار لم يتحول بعد إلى أداة حقيقية لتحقيق التكامل الترابي والإنصاف الاقتصادي.

إن الرهان اليوم لم يعد فقط تقليص الفوارق، بل بناء مغرب موحد اقتصاديًا ومجاليًا، تصبح فيه كل جهة رافعة حقيقية للتنمية الوطنية، وشريكًا فعليًا في صناعة الثروة والاستقرار والمستقبل.