عيد الأضحى .. حين يزهر العطاء في القلوب
كتب د . خالد السلامي
هناك أعياد تمر على الذاكرة كتواريخ، وهناك أعياد تترك في الروح أثراً لا يمحى. وعيد الأضحى من تلك المناسبات التي لا تكتفي بأن تطرق أبواب البيوت، بل تدخل إلى أعماق الإنسان، وتعيد ترتيب ما بعثرته الأيام في داخله من مشاعر ومعانٍ وأولويات.
يأتي العيد محملاً برائحة التكبير، وهدوء الصباحات الأولى، وملامح الناس حين يتبادلون التهاني بقلوب أخف وأرواح أكثر استعداداً للصفح. لكنه، في جوهره، ليس مجرد فرح اجتماعي أو طقس موسمي، بل تذكير عميق بأن الإنسان لا يكبر بما يملك، بل بما يعطي، ولا يرقى بما يأخذ، بل بما يتركه من أثر طيب في حياة غيره.
يرتبط عيد الأضحى بقصة عظيمة في معناها، قصة الإيمان حين يبلغ أعلى درجات التسليم، والتضحية حين تصبح امتحاناً للمحبة لا قسوة عليها. ومن هذه القصة يتعلم الإنسان أن العطاء الحقيقي لا يكون دائماً سهلاً، وأن القيم الكبرى لا تولد من الراحة، بل من لحظات يتجاوز فيها الإنسان ذاته، ويختار ما هو أسمى من رغبته العاجلة ومصلحته الضيقة.
لذلك يبدو العيد مُنَاسَبة مُنَاسِبة للتأمل في علاقاتنا بمن حولنا. كم من يد تحتاج أن نمدها؟ وكم من قلب ينتظر كلمة حانية؟ وكم من أسرة تبحث عن شعور صادق بأنها ليست وحدها؟ إن العيد لا يكتمل بثوب جديد فقط، ولا بمائدة عامرة فقط، بل يكتمل حين يشعر كل فرد في المجتمع أن له مكاناً، وأن له قيمة، وأن هناك من يراه ويسمعه ويقف بجواره.
ومن هنا، تبرز رسالة العمل الإنساني في أبهى صورها. فحين نقف إلى جانب أسر ذوي الإعاقة، وحين ندعم أصحاب الهمم في رحلتهم نحو التمكين والاندماج، فإننا لا نقدم خدمة عابرة، بل نشارك في بناء مجتمع أكثر رحمة ونضجاً وعدلاً. إن الإنسانية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بما نفعله حين يحتاج الآخرون إلينا، وبقدرتنا على تحويل التعاطف إلى فعل، والكلمة الطيبة إلى سند، والمبادرة الصغيرة إلى نافذة أمل.
في العيد، تتسع البيوت للضيوف، لكن الأجمل أن تتسع القلوب للناس جميعاً. أن نتذكر من أنهكته الحياة، ومن غاب صوته وسط الزحام، ومن يحتاج إلى دعوة أو زيارة أو ابتسامة. فالعيد ليس اختباراً للمظاهر، بل فرصة لاختبار دفء الإنسان فينا.
ولعل أجمل ما يبقى من العيد ليس الصور التي ننشرها، ولا الهدايا التي نتبادلها، بل ذلك الشعور الصامت بأننا اقتربنا قليلاً من الخير. أن نكون أكثر رحمة، وأكثر قدرة على الصفح، وأكثر وعياً بأن الفرح حين يُشارك يصبح أوسع، وأن النعمة حين تُشكر بالعطاء تدوم وتزدهر.
عيد الأضحى يعلّمنا أن التضحية ليست فقداً، بل ارتقاء. وأن العطاء ليس نقصاً، بل امتلاء. وأن القلوب حين تشرق بالمحبة تستطيع أن تصنع عيداً حتى في أكثر الأيام تعباً.
كل عام وأنتم بخير، وكل عام وقلوبكم عامرة بالرضا،
وبيوتكم مملوءة بالطمأنينة، وأعمالكم شاهدة على الخير.