الأستاذة ابتسام الإسماعيني محامية بهيئة الدار البيضاء

“بين نص القانون وواقع المحاكم”

في الوقت الذي شهدت فيه مدونة الأسرة المغربية تحولات مهمة منذ اعتمادها، ما تزال آلاف النساء المغربيات يجدن أنفسهن في مواجهة يومية مع تعقيدات القضاء الأسري، بين بطء المساطر، وصعوبة إثبات الحقوق، وضغط الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

ورغم المكاسب القانونية التي راكمتها المرأة المغربية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الطريق نحو عدالة أسرية منصفة لا يزال محفوفًا بالتحديات والأسئلة الكبرى.

في هذا الحوار الخاص مع موقع لكل الأسرة، تفتح الأستاذة ابتسام الإسماعيني ملفات شائكة ترتبط بواقع المرأة المغربية أمام القضاء الأسري، وتسلّط الضوء على التحديات القانونية والاجتماعية التي تواجه النساء داخل أروقة المحاكم، بدءًا من قضايا النفقة والحضانة، مرورًا بإشكالات تنفيذ الأحكام والعنف الأسري، وصولًا إلى النقاش المتجدد حول إصلاح مدونة الأسرة المغربية.

وفي حديث يتسم بالوضوح والجرأة، تقدم الأستاذة الإسماعيني قراءة قانونية وإنسانية لعدد من القضايا التي تمس الأسرة المغربية، مؤكدة أن تحقيق عدالة أسرية منصفة يظل رهينًا بتطوير النصوص القانونية وتسريع المساطر وتعزيز الوعي الحقوقي داخل المجتمع

* بداية، كيف تصفين واقع المرأة المغربية أمام القضاء الأسري اليوم؟

واقع المرأة أمام القضاء الأسري عرف تطورًا مهمًا مقارنة بسنوات سابقة، خاصة بعد اعتماد مدونة الأسرة، لكن رغم ذلك ما تزال هناك مجموعة من الإكراهات العملية التي تجعل المرأة تعاني أثناء سعيها للحصول على حقوقها.

النص القانوني في حد ذاته يتضمن مقتضيات مهمة لحماية المرأة والطفل، لكن الإشكال الحقيقي غالبًا يكون في التطبيق، وفي طول الإجراءات، وفي صعوبة الإثبات، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها بعض النساء.

* ما أبرز القضايا الأسرية التي تتردد على المحاكم المغربية؟

أكثر القضايا انتشارًا هي قضايا الطلاق، خاصة طلاق الشقاق، ثم قضايا النفقة، والحضانة، وإثبات الزوجية، والتنفيذ.
كما نسجل ارتفاعًا في النزاعات المرتبطة بالعنف الأسري والخلافات الناتجة عن المشاكل الاقتصادية أو بسبب مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت سببًا مباشرًا في كثير من النزاعات الزوجية.

* لماذا تعاني النساء كثيرًا في ملفات النفقة رغم وجود أحكام قضائية؟

لأن المشكلة ليست دائمًا في صدور الحكم، بل في تنفيذه.
هناك نساء يحصلن على أحكام بالنفقة لكن يصطدمن بتهرب الزوج من الأداء أو بإخفاء دخله الحقيقي. أحيانًا الزوج يشتغل بشكل غير مهيكل أو يصرح بدخل أقل من واقعه، مما يصعب على المحكمة تحديد نفقة عادلة.
كما أن مسطرة التنفيذ قد تستغرق وقتًا طويلًا، وهذا ينعكس مباشرة على الأطفال والمرأة المطلقة.

* هل تعتبرين أن مسطرة الطلاق بالمغرب معقدة؟

في بعض الحالات نعم، خاصة عندما يتحول الملف إلى صراع وانتقام بين الزوجين.
المشرع حاول خلق توازن عبر مسطرة الصلح قبل الطلاق، لكن عندما تنعدم الثقة ويستحيل استمرار العلاقة تصبح الإجراءات مرهقة نفسيًا للطرفين، خصوصًا للأبناء.
هناك نساء يدخلن المحكمة وهن في وضعية نفسية واجتماعية صعبة جدًا، وأحيانًا بدون أي دعم مادي.

* ماذا عن الحضانة؟ هل ما تزال مصدر نزاعات كبيرة؟

بالتأكيد.
الحضانة من أكثر الملفات حساسية، لأن كل طرف يعتبر نفسه الأحق بالأطفال.
القانون المغربي يضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، لكن عمليًا تظهر مشاكل كثيرة مرتبطة بالسكن، والتنقل، والسفر، وزواج الحاضنة، والتواصل بين الأب والأبناء.
بعض الآباء يعتبرون الحضانة وسيلة للضغط، وبعض الأمهات أيضًا يدخلن في صراعات طويلة تؤثر نفسيًا على الأطفال.

* كيف تنظرين إلى قضايا العنف الأسري داخل المجتمع المغربي؟

للأسف العنف الأسري ما يزال حاضرًا بقوة، وهناك نساء يعشن سنوات من التعنيف النفسي أو الجسدي قبل اللجوء إلى القضاء.
المشكل أن بعض الضحايا يتراجعن عن المتابعة بسبب الخوف أو الضغط العائلي أو التبعية الاقتصادية.
رغم وجود قوانين تجرم العنف ضد النساء، إلا أن التوعية والدعم النفسي والاجتماعي يظلان ضروريين لحماية الضحايا بشكل فعلي.

* هل تعتقدين أن مدونة الأسرة الحالية تحتاج إلى مراجعة؟

أكيد، لأن المجتمع تغير بشكل كبير.
هناك تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية تستوجب مراجعة بعض المقتضيات القانونية حتى تواكب الواقع الحالي وتحافظ في نفس الوقت على التوازن الأسري.
أي إصلاح يجب أن يضع مصلحة الطفل وكرامة المرأة واستقرار الأسرة في قلب النقاش.

* ما أبرز الصعوبات التي تواجه المرأة البسيطة داخل المحاكم؟

أولًا الجهل بالإجراءات القانونية، ثم التكاليف المادية، وأحيانًا الخوف من المجتمع أو من الأسرة.
هناك نساء لا يعرفن حقوقهن أصلًا، وأخريات يتراجعن خوفًا من التشهير أو بسبب الضغط النفسي.
كما أن طول بعض الملفات يخلق معاناة إضافية، خصوصًا للنساء اللواتي لا يتوفرن على دخل قار.

* كيف ترين دور المحامي في القضايا الأسرية؟

المحامي لا يقتصر دوره على الجانب القانوني فقط، بل أحيانًا يقوم بدور نفسي وإنساني أيضًا.
في القضايا الأسرية تحديدًا، المحامي مطالب بمحاولة التهدئة وإيجاد حلول تحفظ كرامة جميع الأطراف، لأن الأمر يتعلق بأسرة وأطفال ومستقبل أشخاص.

* هل مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت سببًا مباشرًا في ارتفاع النزاعات الأسرية؟
بلا شك.

اليوم نلاحظ أن كثيرًا من الخلافات تبدأ بسبب الغيرة الرقمية، أو نشر الخصوصيات، أو العلاقات الافتراضية، أو سوء استعمال وسائل التواصل.
كما أن بعض الأزواج يوثقون خلافاتهم على الإنترنت، وهذا يزيد الوضع تعقيدًا ويؤثر على فرص الصلح.

* ما الرسالة التي توجهينها للنساء اللواتي يعانين داخل الحياة الزوجية؟
أقول لكل امرأة إن معرفة الحقوق أمر أساسي، لكن في المقابل يجب دائمًا إعطاء الأولوية للحوار والتفاهم حفاظًا على الأسرة والأبناء.
وعندما يصبح الضرر حقيقيًا ومستمرًا، فمن حق المرأة اللجوء إلى القضاء لحماية كرامتها وحقوقها وفق القانون.

* كلمة أخيرة؟

القضاء الأسري ليس مجرد ملفات وأحكام، بل هو فضاء يتعامل مع مصير أسر كاملة.
لهذا نحن بحاجة إلى عدالة أسرية أكثر سرعة وإنصافًا ومواكبة للتحولات التي يعيشها المجتمع المغربي، مع تعزيز ثقافة الحوار والوعي القانوني داخل الأسرة المغربية.

* خلاصة الحوار

بين تعقيدات الواقع وتحديات القانون، يبقى ملف الأسرة من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع المغربي.

وفي ظل النقاش المتواصل حول إصلاح مدونة الأسرة، تتواصل المطالب بإرساء عدالة أسرية أكثر إنصافًا، تضمن كرامة المرأة، وتحمي حقوق الطفل، وتحافظ على استقرار الأسرة المغربية.

حوار كشف الكثير من الزوايا الخفية داخل المحاكم الأسرية، وفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول مستقبل الأسرة في المغرب، بين النص القانوني ومتطلبات الواقع المتغير.