جنازة الطرب الأصيل... حين ماتت الأغنية وبقي الصخب
بقلم الناشط والخبير القانوني نور الدين ودي.
توفي أكثر المطربين المغاربة ، فمات معهم زمن الكلمة الرصينة واللحن الخالد.
رحل عبد الوهاب الدكالي، عميد الأغنية المغربية ، وصاحب "مرسول الحب" الذي كان يحمل الأشواق أنيقةً مهذبةً ، لا خادشة ولا مبتذلة.
ورحل عبد الهادي بلخياط ، أحد أهرام الأغنية المغربية ، الذي أوقفنا على محطة "قطار الحياة" نتأمل الأعمار كيف تمضي ، والقلوب كيف تصبر .
ورحل محمد الحياني، "عندليب المغرب" ، الذي كان صوته حريراً ينساب على جرح العاشقين في "راحلة" و"يا جارة الوادي" فتُشفى القلوب ولا تُجرح الآذان .
ورحل محمد رويشة ، أيقونة الأغنية الأمازيغية والوتر ، الذي جعل من "أوتاره" سفيراً للجبل والسهل ، يغني للأرض والإنسان والهوية .
ورحل محمد باطما ، أحد مؤسسي فرقة ناس الغيوان ، الذي حوّل "الحال" و"الهم" إلى ملحمة شعبية ، وعلمنا أن الأغنية يمكن أن تكون منبراً للمظلومين .
ورحلت نعيمة سميح ، صاحبة "ياك أ جرحي"، التي غنّت الجرح فداوته ، والشوق فهذّبته .
ورحلت رجاء بلمليح ، التي نادت "يا جار وادينا" فاهتز لها الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج.
رحم الله جميع فناني المغرب الذين أثروا الخزانة الموسيقية بأعمالهم ذوي اللحن الجميل ، والأغنية العذبة ، والكلمات الرصينة. كانوا إذا غنّوا طهّروا الأسماع ، وهذّبوا الذوق ، ورفعوا الوجدان . كانت الأغنية عندهم رسالة ، والكلمة أمانة ، واللحن عبادة جمال .
كأن الزمان زمانهم ، ولى ولن يعود.
من "مرسول الحب" إلى "مرسول التفاهة" ماذا تبقى بعد رحيلهم!!؟ ، انظر إلى "الساحة الفنية" اليوم ؛ صخب يصم الآذان ، تغلب على الكلمة حتى تخنقها . آلات إلكترونية تصرخ ، ولا آلة وترية واحدة تبكي. إيقاع سريع لاهث ، كأنه يطارد مستمعاً لا يريد أن يفكر ، بل أن ينسى.
لقد ماتت القصيدة . وحلّت محلها جُمل مكسّرة ، وكلمات سوقية مبتذلة ، تُردد كالببغاء ألف مرة حتى تفقد معناها إن كان لها معنى أصلاً. أين "قطار الحياة" الذي يحمل فلسفة !!؟ صار القطار اليوم بلا سكة ، ولا محطةة، ولا وجهة ، إلا هز البطن والكتف.
من الستر إلى العري.. من الوقار إلى التخنث
كان الفنان يقف على المسرح ببدلة محترمة ، أو جلباب مغربي أصيل. كانت نعيمة سميح ورجاء بلمليح تصدحان بكامل حشمتهما ، فتُطربان الرجال والنساء ، الصغار والكبار . كان الحياء جزءاً من الفن .
اليوم، صار "الكليب" أهم من الأغنية . وصار الجسد سلعة تُعرض قبل الصوت . لباس عري ، وميوعة ، وتخنث ، وحركات توحي ولا تلمّح . صارت الأغنية تُروّج باللحم لا باللحن . فأي ذوق هذا الذي يُربى عليه جيل كامل؟ ..وأي قيم تُغرس في بناتنا وأبنائنا؟
من صناعة الطرب إلى صناعة المحتوى الفارغ
كان الفنان يعتزل أشهراً ليخرج بأغنية واحدة خالدة . كان الملحن والشاعر يسهران الليالي ليولد لحن يعيش 50 عاماً او قرنا من الزمان.
اليوم صارت "الصناعة" هي الأساس .
"ترند" أسبوعي ، و"تحدي" على تيك توك ، و"كليب" يُصوّر في يومين ..
الأغنية لم تعد إبداعاً ، بل "محتوى"
يُستهلك ويُرمى . شركات الإنتاج تبحث عن "الضجة" لا عن "الدهشة".
والمسابقات الوطنية والدولية صارت تبرمج التفاهة وتضلل الذوق العام ، وتتوّج من لا يستحق ، وتُقصي من يحمل هم الكلمة.
لماذا نبكيهم ونرثيهم ..!!؟
نبكيهم لأنهم كانوا آخر جيل يحترم المستمع . كانوا يغنون ليُسمعوا ، لا ليُشاهدوا . كانوا يكتبون للقلب والعقل ، لا للغريزة والجيب .
نبكيهم لأن "يا جار وادينا" كانت تجمعنا على الحب العذري ، أما أغاني اليوم فتفرقنا على "التصاور" و"الطاكسيات".
نبكيهم لأن "مرسول الحب" كان يصل بالبريد ، محمولاً على الحياء ، أما "مرسول" اليوم فيصل عبر "الخاص" ، محمولاً على الإباحية.
نبكيهم لأن الأغنية كانت "ديوان العرب" ، فصارت "مزبلة الذوق" . كانت تربية ، فصارت تدميراً . كانت تحافظ على اللغة ، فصارت تشوه اللسان الدارج والفصيح معاً .
وهل ماتت الأغنية !!؟
لا ، لم تمت . لكنها يتيمة . تُركت في يد من لا يعرف قدرها . دُفنت الكلمة الرصينة تحت ركام "اللازمة" المتكررة . ودُفن اللحن الأصيل تحت طبول الصخب .
واجبنا اليوم أن ننقذ ما يمكن إنقاذه . أن نُعلّم أبناءنا من هو الدكالي وبلخياط والحياني . وأن نُسمعهم "راحلة" قبل أن يُسمعوا "الضجيج" . وأن نقول للمسابقات : كفى تطبيعاً مع الرداءة . وللإعلام : كفى ترويجاً للعري باسم الفن .
فالفن الذي لا يسمو بالإنسان ، يسقط به . والأغنية التي لا تهذب الروح ، تفسدها.
رحم الله جيل العمالقة . كانوا زمناً جميلاً ، وكان الفن في زمانهم رسالة وخلقاً وقيمة . أما اليومة، فقد صار الفن تجارة ، والمحتوى فارغاً ، والذوق العام مريضاً ينتظر من يداويه .
"إنّا لله وإنّا إليه راجعون" في ذوقٍ مات ، وأغنيةٍ دُفنت ، وقيمةٍ وُئدت