حين تتحول السياسة المالية إلى رافعة للأمن الضريبي: الدكتورة حفيظة حنان تفتح ملفات الإصلاح بثقة العالِم وجرأة المفكر
في زمن تتشابك فيه التحديات الاقتصادية مع رهانات العدالة الاجتماعية، يبرز صوت أكاديمي رصين يعيد ترتيب المفاهيم ويمنح للنقاش العمومي عمقًا علميًا ومسؤولًا. إنها الدكتورة حفيظة حنان، الباحثة المغربية التي اختارت أن تشتغل في منطقة دقيقة وحساسة من الفكر القانوني والسياسي، حيث تتقاطع السياسة المالية مع سؤال الأمن الضريبي، وحيث تتحول الأرقام إلى رهانات سيادية، والتشريع إلى أداة لبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
بمسار أكاديمي متميز تُوّج بنيل الدكتوراه بميزة "مشرف جدًا"، وبخبرة مهنية تجمع بين التدبير التربوي والعمل الأكاديمي، استطاعت الدكتورة حفيظة حنان أن ترسخ لنفسها مكانة خاصة ضمن الجيل الجديد من الباحثين الذين لا يكتفون بوصف الإشكالات، بل يسعون إلى تفكيكها واقتراح بدائل واقعية لها. كتابها الأخير "السياسة المالية وسؤال الأمن الضريبي بالمغرب" ليس مجرد عمل أكاديمي، بل هو قراءة عميقة في تحولات النظام الضريبي المغربي، ونقاش جريء حول حدود الإصلاح وآفاقه.
في هذا الحوار الخاص مع "موقع لكل الأسرة"، نقترب أكثر من فكر الدكتورة، ونغوص معها في قضايا السياسة المالية، العدالة الضريبية، والمواطنة الجبائية، في حديث يتسم بالعمق والوضوح، ويكشف عن رؤية متكاملة لمستقبل الإصلاح المالي بالمغرب.
* في البداية، دكتورة حفيظة، كيف يمكن تقديم مشروعك الفكري في سطور قليلة للقارئ؟
مشروعي الفكري ينطلق من قناعة أساسية مفادها أن السياسة المالية ليست مجرد آلية تقنية لتدبير الموارد، بل هي تعبير عن اختيارات الدولة ورؤيتها للمجتمع. ومن هذا المنطلق، اشتغلت على ربط السياسة المالية بمفهوم الأمن الضريبي، باعتباره أحد المداخل الأساسية لتحقيق الاستقرار القانوني والاقتصادي، وتعزيز الثقة بين الإدارة والملزم.
* كتابك الأخير يثير إشكالية "الأمن الضريبي"، وهو مفهوم لا يزال حديث التداول نسبيًا. كيف تعرفينه للقارئ؟
الأمن الضريبي هو شعور الملزم بالاستقرار والوضوح في علاقته بالإدارة الضريبية، من خلال قواعد قانونية واضحة، وتطبيق عادل ومنصف، وضمانات قانونية وقضائية تحميه من التعسف أو الغموض. إنه ليس فقط مسألة تقنية، بل هو ركيزة من ركائز دولة القانون.
* تربطين بين السياسة المالية والأمن الضريبي، ما طبيعة هذه العلاقة؟
العلاقة عضوية. فالسياسة المالية هي الإطار الذي تُصاغ داخله الاختيارات الضريبية. وإذا كانت هذه السياسة لا تراعي مبادئ العدالة والشفافية والاستقرار، فإنها تقوض الأمن الضريبي. لذلك، فإن أي إصلاح ضريبي حقيقي يجب أن ينطلق من تصور مالي متكامل يضع الأمن الضريبي في صلب أولوياته.
* بعد دستور 2011، شهد المغرب عدة إصلاحات ضريبية. هل نجحت في تحقيق الأمن الضريبي؟
لا يمكن إنكار أن هناك مجهودات مهمة بُذلت، سواء على مستوى تحديث الإدارة أو مراجعة بعض النصوص. لكن، لا يزال الطريق طويلاً. فالأمن الضريبي يتطلب استمرارية في الإصلاح، وتوحيدًا في التوجهات، وتقليصًا لهوامش التأويل التي قد تخلق نوعًا من عدم اليقين لدى الملزمين.
* تحدثتِ في كتابك عن "المواطنة الضريبية". ماذا تقصدين بهذا المفهوم؟
المواطنة الضريبية تعني أن يؤدي الفرد واجبه الضريبي عن قناعة وطواعية، باعتباره مساهمة في تمويل المرافق العمومية. لكنها في المقابل تفترض أن تلتزم الدولة بالشفافية في تدبير الموارد، وأن تضمن العدالة في توزيع العبء الضريبي. إنها علاقة تبادلية قائمة على الثقة.
* من خلال تجربتك، ما أبرز التحديات التي تواجه تحقيق عدالة ضريبية حقيقية؟
أبرز التحديات تتمثل في اتساع القطاع غير المهيكل، وضعف الوعي الضريبي، وأحيانًا تعقيد النصوص القانونية. إضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تعزيز الرقمنة وتبسيط المساطر، لأن العدالة لا تتحقق فقط بالنصوص، بل أيضًا بسهولة الحصول على المعلومة وفهمها.
* بصفتك أستاذة مكونة، كيف تنقلين هذه الأفكار إلى الأجيال الجديدة؟
أحرص على ربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، وتشجيع الطلبة على التفكير النقدي. كما أؤكد دائمًا على أن القانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو أداة لخدمة المجتمع، وعلى الباحث أن يكون واعيًا بدوره في تطويره.
* ما الذي يميز الباحث الحقيقي في نظرك؟
الصدق العلمي أولاً، ثم القدرة على طرح الأسئلة الجريئة، وعدم الاكتفاء بالإجابات الجاهزة. الباحث الحقيقي هو من يزعج السائد أحيانًا، ويقترح بدائل، ويؤمن بأن المعرفة مسؤولية.
* هل هناك مشاريع علمية قادمة؟
نعم، أشتغل حاليًا على مواضيع مرتبطة بالتحول الرقمي في المجال الضريبي، وتأثيره على الأمن القانوني، بالإضافة إلى قضايا الحكامة المالية.
* كلمة أخيرة لقراء "موقع لكل الأسرة"؟
أقول لهم إن الوعي بالحقوق والواجبات هو أساس أي مجتمع متوازن، وأن الضريبة ليست عبئًا فقط، بل هي مساهمة في بناء الوطن. وكلما تعززت الثقة بين المواطن والمؤسسات، اقتربنا أكثر من تحقيق التنمية المنشودة.
* في الختام :
حوار مع الدكتورة حفيظة حنان ليس مجرد لقاء عابر، بل هو رحلة فكرية في عمق إشكالات الدولة الحديثة، حيث تتقاطع السياسة بالقانون، وتتجلى المسؤولية في أدق تفاصيلها. صوت أكاديمي واعد، يحمل مشروعًا واضح المعالم، ويؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالفكر… وينتهي بخدمة الإنسان.