دكتورة جميلة مرابط تعيد قراءة مدينة صفرو: من مدينة متوسطة إلى فاعل تنموي صاعد… رؤية علمية تُعيد رسم خريطة المجال الترابي بالمغرب
في لحظة فكرية تتقاطع فيها رهانات التنمية مع تحولات المجال الترابي، جاءت مداخلة الدكتورة جميلة مرابط خلال فعاليات الملتقى الثقافي لمدينة صفرو، المنظم أيام 7 و8 و9 ماي 2026، لتفتح نقاشًا عميقًا حول موقع المدن المتوسطة في هندسة المستقبل التنموي للمغرب. لم تكن الورقة البحثية التي قدمتها مجرد عرض أكاديمي تقليدي، بل كانت قراءة استراتيجية تعيد التفكير في وظيفة المدينة المتوسطة باعتبارها رافعة للتوازن المجالي وفاعلًا مركزيًا في أفق رؤية 2030.
قدّمت الدكتورة جميلة مرابط ورقة بحثية موسومة بـ: “المدن المتوسطة: فاعل محوري في إرساء نماذج تنموية وفق رؤية 2030 – مدينة صفرو نموذجًا”، حيث انطلقت من فرضية أساسية مفادها أن المدن المتوسطة لم تعد مجرد فضاءات وسيطة بين الحواضر الكبرى والمجالات القروية، بل أصبحت اليوم مكونات استراتيجية داخل البنية التنموية الحديثة، قادرة على إعادة توزيع أدوار التنمية بشكل أكثر عدالة وتوازنًا.
وقد أبرزت الدراسة أن التحولات الحضرية المعاصرة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، باتت تفرض إعادة النظر في تموقع هذه المدن داخل السياسات العمومية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالضغط الديمغرافي على المدن الكبرى، واتساع الفوارق المجالية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، اعتبرت الورقة أن مدينة صفرو تمثل نموذجًا دالًا لفهم إمكانيات المدن المتوسطة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي القريب من فاس، وإرثها البيئي والثقافي الذي يمنحها قابلية الانخراط في دينامية تنموية متجددة.
وتوقفت الدراسة عند التحول المفاهيمي للمدينة المتوسطة، معتبرة إياها حلقة وصل وظيفية داخل الشبكة الحضرية، تساهم في إعادة التوازن بين المركز والهامش، كما تتيح إمكانيات لتخفيف الضغط عن الحواضر الكبرى، عبر خلق أقطاب جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أهمية النماذج الحديثة للمدن الذكية والإيكولوجية، التي تقوم على إدماج البعد البيئي والرقمي في التخطيط الحضري، بما يعزز جودة الحياة ويكرس مبادئ الاستدامة.
كما تناولت المداخلة الإطار المؤسساتي والتشريعي المنظم للمدن المتوسطة في المغرب، من خلال سياسات الجهوية المتقدمة، وبرامج التأهيل الحضري، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، معتبرة أن هذه الآليات تشكل قاعدة أساسية لتفعيل العدالة المجالية، لكنها تحتاج إلى مزيد من الالتقائية بين الفاعلين، وتعزيز نجاعة الحكامة الترابية.
وفي الشق التطبيقي، سلطت الورقة الضوء على مؤهلات مدينة صفرو، ليس فقط كفضاء حضري، بل كمنظومة متكاملة قابلة للتطور. فقد تم إبراز إمكانياتها في مجال الاقتصاد الأخضر، من خلال تثمين الموارد الطبيعية، وتشجيع الطاقات المتجددة، وتطوير مبادرات بيئية مبتكرة. كما تم التطرق إلى إمكاناتها السياحية والثقافية، التي تجعل منها وجهة قادرة على استقطاب استثمارات نوعية في مجالات السياحة البيئية والثقافية.
ولم تغفل الدراسة البعد الرقمي، حيث شددت على أن التحول نحو مدينة ذكية لم يعد خيارًا مستقبليًا، بل ضرورة تنموية، تستدعي رقمنة الخدمات العمومية، وتطوير البنيات التحتية الرقمية، وإدماج حلول مبتكرة في مجالات النقل والتدبير الحضري والطاقة.
وختمت الدكتورة جميلة مرابط مداخلتها بالتأكيد على أن المدن المتوسطة لن تلعب أدوارها الجديدة إلا إذا تم الاستثمار في الرأسمال البشري، وخاصة فئة الشباب، وإشراك الساكنة في صنع القرار الترابي، إلى جانب تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم البحث العلمي، وتعبئة التمويلات الموجهة نحو التنمية المستدامة.
في الختام
خلصت الورقة إلى أن مدينة صفرو، بما تملكه من مقومات طبيعية وثقافية وموقع استراتيجي، مرشحة لأن تتحول إلى نموذج وطني للمدينة المتوسطة الصاعدة، القادرة على إنتاج تنمية متوازنة ومستدامة. كما أكدت أن إعادة الاعتبار لهذه الفئة من المدن لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل الخريطة التنموية للمغرب، وبناء مستقبل أكثر عدالة وتوازنًا في أفق 2030.