نجلاء لحبيبي… حين تتحول الريشة إلى بيانٍ للحرية، وتغدو الألوان نشيدًا للحياة
في قلب مدينة آسفي، تلك الحاضرة التي تعانق زرقة الأطلسي وتتنفس عبق التاريخ، وُلدت تجربة فنية استثنائية، لم تكن مجرد موهبة عابرة، بل مشروع روح تبحث عن ذاتها في عوالم اللون والضوء. هناك، حيث تتجاور الحِرف التقليدية مع إيقاع البحر، تشكلت ملامح فنانة اختارت أن تجعل من الفن لغة وجود، ومن اللوحة فضاءً للحرية… إنها الفنانة التشكيلية نجلاء لحبيبي.
ليست نجلاء مجرد اسم في المشهد التشكيلي المغربي، بل هي تجربة إنسانية وفنية متكاملة، تنبض بالشغف، وتتشكل عبر مسار عصامي صادق، بدأ من طفولة مشبعة بالحب للفن، مرورًا بمحطات دراسية اختارت فيها العلوم والتصميم، وصولًا إلى لحظة الحسم، حيث قررت أن تنصت لصوتها الداخلي، وتكرّس حياتها بالكامل للفن.
في أعمالها، لا نجد فقط ألوانًا وأشكالًا، بل نقرأ نصوصًا بصرية عميقة، تتداخل فيها التكعيبية بالسريالية، وتتجاور فيها الرموز التراثية مع قضايا معاصرة، في محاولة دائمة لفهم الإنسان، وخاصة المرأة، في علاقتها بذاتها وبالعالم. إنها فنانة تكتب بالفرشاة، وتفكر بالألوان، وتحاور الوجود عبر اللوحة.
في هذا الحوار الخاص مع موقع "لكل الأسرة"، نغوص مع نجلاء لحبيبي في تفاصيل رحلتها، من البدايات الأولى إلى آفاق المستقبل، لنكتشف كيف تُبنى الأحلام بالصبر، وكيف تتحول المعاناة إلى جمال، وكيف يصبح الفن رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا.
* بدايةً، من هي نجلاء لحبيبي بعيدًا عن الألقاب الفنية؟
أنا إنسانة بسيطة، أؤمن بالجمال في كل تفاصيل الحياة. قبل أن أكون فنانة، أنا روح تبحث عن المعنى، وعن طريقة صادقة للتعبير عن ذاتها. الفن بالنسبة لي ليس مهنة فقط، بل هو أسلوب حياة.
* كيف كانت بداياتك الأولى مع الفن؟
بدأت الحكاية منذ الطفولة، كنت أجد نفسي دائمًا منجذبة للرسم والألوان. كنت أرسم كل ما أشعر به، حتى قبل أن أفهمه. نشأت في بيئة مشجعة، وهذا منحني الثقة لأستمر.
* رغم ميولك الفنية، اخترتِ مسارًا علميًا في البداية، لماذا؟
كان هناك نوع من التوازن بين الشغف والتوجيه الأسري. درست العلوم التجريبية ثم تصميم الأزياء، وهو مجال قريب من الفن، لكنه لم يكن يعبر عني بالكامل. في النهاية، كان لا بد أن أعود إلى مكاني الحقيقي.
* متى اتخذتِ قرار التفرغ الكامل للفن؟
كانت لحظة حاسمة في حياتي. شعرت أن الاستمرار في عمل لا يشبهني هو نوع من الخيانة لذاتي. اخترت الفن رغم الصعوبات، لأنني أؤمن أن الشغف يستحق المجازفة.
* كيف تصفين أسلوبك الفني؟
هو مزيج من التكعيبية والسريالية، مع لمسات تجريدية. أحب تفكيك الواقع وإعادة تركيبه بطريقة تعكس ما لا يُرى. أشتغل كثيرًا على الأشكال الهندسية والألوان القوية.
* لماذا هذا المزج بين التكعيبية والسريالية تحديدًا؟
لأنه يمنحني حرية مطلقة. التكعيبية تساعدني على بناء الشكل، والسريالية تفتح لي أبواب الخيال. هذا التزاوج يسمح لي بالتعبير عن العمق الداخلي للإنسان.
* لوحاتك تحمل طابعًا نسويًا واضحًا، هل هو توجه مقصود؟
نعم، لأنني أؤمن بقوة المرأة وبحقها في التعبير. لوحاتي تحكي عن الحرية، عن الكرامة، وعن الأمل. المرأة في أعمالي ليست مجرد موضوع، بل هي رمز للحياة.
* ما دور الألوان في أعمالك؟
الألوان هي لغتي الأساسية. أستخدمها للتعبير عن المشاعر، أحيانًا تكون صاخبة، وأحيانًا هادئة، لكنها دائمًا صادقة.
* نلاحظ حضورًا قويًا للتراث المغربي في أعمالك، كيف توظفينه؟
التراث هو هويتي. أستلهم من الزليج، من الأزياء، من الرموز التقليدية، وأعيد تقديمها برؤية معاصرة. أحاول أن أخلق حوارًا بين الماضي والحاضر.
* حدثينا عن أبرز أعمالك الفنية.
من بين الأعمال التي أعتز بها: “أعطني حريتي”، “ابتسامة امرأة تجعل العالم يرقص”، و”الحب الأبدي”. كل لوحة تمثل مرحلة من حياتي.
* ماذا عن مشاركاتك في المعارض؟
شاركت في العديد من المعارض داخل المغرب وخارجه، في لبنان، الإمارات، إيطاليا، تونس، وغيرها. كل تجربة كانت فرصة للتعلم والتطور.
* حصلتِ على عدة جوائز، ماذا تعني لك؟
هي اعتراف جميل، لكنها ليست الهدف. الأهم بالنسبة لي هو أن تصل رسالتي إلى الناس.
* أنتِ أيضًا ناشطة جمعوية، حدثينا عن ذلك.
أسست ورشة “إنجي آرت” لدعم المواهب الشابة، وأترأس جمعية “روح فنان للفنون الجميلة”. أؤمن بضرورة نقل المعرفة ومساندة الجيل الجديد.
* ما التحديات التي واجهتك؟
البداية كانت صعبة، خاصة في غياب التكوين الأكاديمي المتخصص. لكن الإصرار والتعلم المستمر كانا مفتاح النجاح.
* كيف ترين مستقبل الفن في المغرب؟
واعد جدًا. هناك طاقات كبيرة تحتاج فقط إلى الدعم والفرص.
* ما مشاريعك القادمة؟
أعمل على تنظيم معارض جديدة، وتطوير مشاريعي الفنية، والاستمرار في دعم الشباب.
* ما الرسالة التي توجهينها للفنانين الشباب؟
لا تتخلوا عن أحلامكم. الفن يحتاج صبرًا، لكن نتائجه تستحق.
* في الختام.
تتجلى تجربة نجلاء لحبيبي كتحفةٍ إنسانية نابضة، تفيض عمقًا وإحساسًا، حيث لا تكون اللوحة مجرد مساحة لونية، بل فضاءً حيًّا تنبض فيه الروح، وتُروى عبره حكايات الحرية والوجدان. هي فنانة تحوّل اللون إلى لغة سامية، والخط إلى إيقاع داخلي، فتنسج من أعمالها عوالم آسرة تختزل الجمال في أبهى تجلياته.
في كل لوحة توقيعٌ خاص، وفي كل عمل بصمة لا تُشبه سواها، تُعلن من خلالها نجلاء لحبيبي حضورها كصوت فني متفرد، يزاوج بين قوة التعبير ورفعة الإحساس. أعمالها ليست فقط إبداعًا يُرى، بل تجربة تُعاش، ومرآة تعكس عمق الإنسان وتوقه الدائم نحو النور.
نجلاء لحبيبي… حيث يصبح الفن مقامًا ساميًا، وتغدو اللوحة نشيدًا خالدًا للجمال والحرية
