سارة بلغيتي… حين تتحوّل اللوحة إلى هوية، ويصير الفن رسالة تتجاوز الحدود
ومن قلب مدينة مكناس، تنبثق تجربة فنية متفرّدة تحمل في عمقها روح المغرب وأصالته، وتمضي بثقة نحو العالمية… إنّها الفنانة التشكيلية سارة بلغيتي، التي استطاعت أن تنسج لنفسها مسارًا متميزًا يجمع بين الإبداع والحرفية، وبين الحسّ الفني والذكاء التقني.
في هذا الحوار الخاص مع موقع "لكل الأسرة"، نقترب من عالمها لنكتشف أسرار تجربتها، ورؤيتها للفن، وطموحاتها القادمة…
* بدايةً، من هي سارة بلغيتي بعيدًا عن الألوان واللوحات؟
سارة هي إنسانة تعشق التعبير، تبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة، وتؤمن أن الفن ليس فقط مهنة بل أسلوب حياة. أنا امرأة أوازن بين الإبداع والعمل والتطوير الذاتي، وأسعى دائمًا لأن أكون في تطوّر مستمر، سواء على المستوى الفني أو التقني.
* كيف بدأت رحلتك مع الفن التشكيلي؟ وهل كان اختيارًا أم قدرًا؟
أعتقد أنه كان قدرًا جميلاً. منذ الصغر كنت ميّالة للرسم والتعبير البصري، لكن مع الوقت أدركت أن الفن هو لغتي الحقيقية. لم يكن الأمر مجرد هواية، بل تحوّل إلى شغف عميق ثم إلى مسار مهني أعتز به.
* أعمالك تتميز بمزج الأصالة بالمعاصرة، كيف تصفين أسلوبك الفني؟
أسلوبي هو انعكاس لهويتي المغربية. أستلهم من التراث، من الزخارف، من الثقافة الأمازيغية والعربية، وأعيد تقديمها برؤية حديثة. أحب أن أخلق توازنًا بين الماضي والحاضر، بحيث يشعر المتلقي أن العمل مألوف وجديد في آنٍ واحد.
* أنتِ أيضًا محترفة في تقنيات حديثة مثل الصباغة السائلة، ماذا تضيف لك هذه التقنيات؟
التقنيات الحديثة تمنحني حرية أكبر في التعبير. الصباغة السائلة مثلًا تخلق مفاجآت جميلة داخل اللوحة، وتجعل العمل حيًا ومتجدّدًا. أحب التجريب، وأؤمن أن الفنان يجب أن يطوّر أدواته باستمرار.
* إلى جانب الفن، لديك خلفية في تكنولوجيا المعلومات والتجارة، كيف ساعدك ذلك؟
هذا الجانب مهم جدًا. الفن اليوم لم يعد منفصلًا عن العالم الرقمي أو السوق العالمية. خبرتي في التكنولوجيا والتجارة تساعدني في تسويق أعمالي، والتواصل مع جمهور أوسع، وإدارة مشاريعي الفنية بطريقة احترافية.
* لكِ دور بارز في تنظيم الفعاليات الفنية، خاصة “ملتقى الفنون الشعبية” بمكناس، ماذا يعني لك هذا المشروع؟
هو مشروع قريب جدًا من قلبي. أردت أن أخلق فضاءً يجمع الفنانين من مختلف المدن، لتبادل التجارب وإحياء التراث الفني المغربي. نجاح الملتقى كان لحظة فخر، لأنه أثبت أن العمل الجماعي قادر على إحداث فرق حقيقي.
كما أنني، بصفتي رئيسة جمعية ساريم للإبداع الفني الثقافي، أسعى من خلال هذه المبادرات إلى دعم الفنانين وتشجيع المواهب، وخلق فضاءات للإبداع وتبادل التجارب الفنية. وتهدف الجمعية أيضًا إلى إبراز التراث الثقافي المغربي من خلال الفن، ونشر الوعي الجمالي داخل المجتمع عبر تنظيم معارض وورشات وملتقيات فنية، بالإضافة إلى العمل على تنظيم معارض دولية قوية وناجحة تعزز حضور الفن المغربي وتفتح آفاقًا للتبادل الثقافي مع مختلف الدول، خاصة لفائدة الشباب والفنانين المبدعين.
* تم تكريمك في عدة مناسبات، خاصة في اليوم العالمي للمرأة، ماذا يمثل لك هذا التقدير؟
التكريم مسؤولية قبل أن يكون شرفًا. هو اعتراف بالمجهود، لكنه أيضًا دافع للاستمرار وتقديم الأفضل. وأفتخر أنني أمثل المرأة المغربية الفنانة التي تساهم في بناء المشهد الثقافي.
* كيف ترين واقع الفن التشكيلي في المغرب اليوم؟
هناك تطوّر ملحوظ وطاقات شابة مبدعة، لكننا بحاجة إلى مزيد من الدعم والترويج الدولي. المغرب غني ثقافيًا، ويمكن للفن أن يكون جسرًا قويًا نحو العالم.
* ما الذي تريد سارة بلغيتي أن تقوله من خلال لوحاتها؟
أريد أن أقول إن الحرية ممكنة، وإن الجمال موجود في جذورنا. لوحاتي هي دعوة للتأمل، للتمرد الإيجابي، وللاعتزاز بالهوية.
* ما طموحاتك المستقبلية؟
أسعى للوصول إلى العالمية، والمشاركة في معارض كبرى خارج المغرب، وأطمح لإنشاء مشاريع فنية تدمج بين الإبداع والتعليم، لدعم المواهب الصاعدة، إلى جانب تطوير عمل الجمعية ليكون منصة حقيقية للتأثير الثقافي والفني على الصعيدين الوطني والدولي.
* كلمة أخيرة…
أقول لكل فنان: آمن بنفسك، واشتغل بصمت، فالإبداع الحقيقي يفرض نفسه.
* في الختام:
سارة بلغيتي ليست مجرد فنانة تشكيلية، بل تجربة متكاملة تُجسّد روح الإبداع المغربي في أبهى صوره… هي نموذج لامرأة استطاعت أن تحوّل شغفها إلى رسالة، ولوحتها إلى صوت، ومسيرتها إلى مصدر إلهام.
وفي عالم يموج بالتغيّرات، تبقى بصمتها الفنية دليلًا على أن الأصالة حين تلتقي بالابتكار… تصنع الخلود.
