خطاب واحد… وواقع متعدد: كيف تحوّلت وعود المنتخبين إلى صدى متكرر في آذان المغاربة؟
بقلم الأستاذة الحقوقية و جمعوية ابتسام الإسماعيني محامية بهيئة الدار البيضاء
في مشهد سياسي يتسم بتكرار الخطاب أكثر مما يتسم بتجديد الفعل، يجد المواطن المغربي نفسه أمام أسطوانة تعيد نفس النغمة في كل استحقاق انتخابي. كلماتٌ تبدو مألوفة، ووعودٌ تكاد تُحفظ عن ظهر قلب، تتغير الوجوه وتتبدل الألوان الحزبية، لكن الخطاب يظل ثابتًا، وكأنه نص جاهز يُسلَّم لكل منتخب قبل أن يعتلي منصة الحديث. من التشغيل إلى التعليم، ومن الصحة إلى العدالة الاجتماعية، تتقاطع الرسائل الموجهة إلى الرجال والنساء والشباب، لتشكّل ما يشبه “القاموس السياسي المشترك” الذي يُستعمل في كل حملة، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: لماذا لا تتغير النتائج بنفس الوتيرة التي تتكرر بها الوعود؟
لم يعد من الصعب على المواطن أن يتنبأ بما سيقوله أي منتخب خلال حملته. فبمجرد انطلاق الخطاب، تبدأ الكلمات المفتاحية في الظهور تباعًا: “فرص الشغل”، “إصلاح التعليم”، “تحسين الخدمات الصحية”، “تقليص الفوارق الاجتماعية”. هي عناوين عريضة تختزل طموحات مجتمع بأكمله، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن أزمة أعمق: أزمة خطاب يفتقر إلى التميز، وإلى الجرأة في طرح حلول مختلفة.
أول هذه العناوين هو التشغيل، القضية التي تتصدر أولويات الشباب. غير أن الوعود بخلق فرص العمل غالبًا ما تظل عامة، غير مؤطرة بأرقام دقيقة أو آليات واضحة، ما يجعلها أقرب إلى الشعارات منها إلى البرامج القابلة للتنفيذ. نفس الأمر ينطبق على التعليم، حيث يتكرر الحديث عن “الإصلاح” دون تحديد مكامن الخلل الحقيقية أو تقديم رؤية متكاملة تربط بين المدرسة وسوق الشغل.
أما في قطاع الصحة، فتُعاد نفس الالتزامات المرتبطة بتحسين الخدمات وتعميم التغطية الصحية، في وقت لا يزال فيه المواطن يواجه تحديات يومية في الولوج إلى العلاج. وبين هذا وذاك، تبرز البنية التحتية كأحد أكثر المجالات التي تُستعمل لاستمالة الناخبين، خاصة في المناطق المهمشة، حيث تتحول الطرق والمرافق الأساسية إلى وعود انتخابية موسمية.
ولا يكتمل الخطاب دون الحديث عن العدالة الاجتماعية، ذلك المفهوم الواسع الذي يُستعمل أحيانًا دون تحديد دقيق لمعناه أو لآليات تحقيقه. وكذلك الحال بالنسبة لتمكين المرأة، الذي يُطرح في إطار شعارات المساواة وتكافؤ الفرص، دون الغوص في الإكراهات الثقافية والاقتصادية التي تعيق تحقيقه فعليًا. أما الشباب، فيُخاطَب بلغة التحفيز والدعوة إلى المشاركة، لكنه نادرًا ما يجد نفسه ممثلًا في مراكز القرار بعد انتهاء الانتخابات.
بين الخطاب والممارسة: فجوة تتسع
المفارقة الكبرى لا تكمن في تكرار هذه المواضيع، بل في الفجوة التي تفصل بين ما يُقال وما يُنجز. فالمواطن، الذي أصبح أكثر وعيًا وتجربة، لم يعد يكتفي بسماع الوعود، بل أصبح يقارن بين الخطاب والواقع، بين الشعارات والنتائج. وهنا تتجلى أزمة الثقة، التي تُعد أخطر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
إن تشابه الخطابات بين مختلف المنتخبين يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى استقلالية البرامج السياسية، وحول قدرة الأحزاب على إنتاج أفكار جديدة تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع. كما يكشف عن ميل متزايد نحو “تسويق الأمل” بدل “بناء الحلول”، وهو ما يجعل العملية السياسية تبدو أحيانًا وكأنها مجرد إعادة إنتاج لنفس السيناريو.
في الختام :
أمام هذا الواقع، لم يعد التحدي هو صياغة وعود جديدة، بل استعادة المصداقية المفقودة. فالمواطن لا يبحث عن خطاب بليغ بقدر ما يبحث عن أثر ملموس في حياته اليومية. وبين تكرار الكلام وندرة الفعل، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى سيظل الخطاب السياسي يدور في نفس الحلقة، دون أن يجرؤ على كسرها؟