بين الجامعة والمحاماة: لماذا يريد مشروع 66.23 قطع الشريان الحيوي للقانون؟
بقلم الأستاذة ابتسام الإسماعيني
محامية بهيئة الدار البيضاء
ليس أخطر على أي منظومة قانونية من أن تفصل بين العقل الذي يُنتج المعرفة واليد التي تُمارسها. وهذا بالضبط ما يسير إليه مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 حين يقرّ مبدأ التنافي بين مهنة الأستاذ الجامعي ومهنة المحاماة. قرار يبدو في ظاهره تنظيميًا، لكنه في العمق يمسّ جوهر العدالة وجودة التكوين القانوني في المغرب.
الجامعة ليست برجًا عاجيًا، كما أن المحاماة ليست مجرد حرفة تقنية. الأولى فضاء لإنتاج الفكر القانوني وصياغة المفاهيم، والثانية مجال لاختبار تلك المفاهيم في واقع النزاعات وتعقيدات الحياة اليومية. وعندما يُمنع الأستاذ الجامعي من ولوج المحاماة، أو يُجبر المحامي على الانفصال عن التدريس، فإننا لا ننظم المهنتين، بل نفصل بين النظرية والتطبيق، ونُضعف كليهما.
أي منطق هذا الذي يعترف بدور الجامعة في تكوين الكفاءات القانونية، ثم يشكك في أهلية الأستاذ الجامعي لممارسة المحاماة؟ وأي انسجام يمكن الحديث عنه، ونحن نطالب بجودة التكوين، ثم نحرم الطلبة من أساتذة يمارسون القانون في المحاكم ويواكبون تطوراته الحقيقية؟ إن الأستاذ الذي يعيش تفاصيل الممارسة المهنية، لا شك أنه أكثر قدرة على نقل معرفة حية، لا مجرد نصوص جامدة.
الأخطر من ذلك أن هذا التوجه يأتي في زمن لم تعد فيه المنافسة تقليدية. الذكاء الاصطناعي يزحف بثبات إلى المجال القانوني، مهددًا بإعادة تشكيل مهنة المحاماة نفسها. وفي مواجهة هذا التحدي، هل من الحكمة إضعاف المحامي بحرمانه من العمق الأكاديمي؟ أم الأولى تعزيز تكوينه عبر الانفتاح على الجامعة، ودمج الخبرة النظرية بالتطبيقية لصناعة محامٍ أكثر كفاءة وقدرة على التكيف؟
ثم إن القول بأن قانون الوظيفة العمومية يمنع هذا الجمع لا يصمد أمام الفحص القانوني. فالنصوص المنظمة، بما فيها مرسوم 2 غشت 2023 المتعلق بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين، لا تتضمن أي منع صريح في هذا الاتجاه. وبالتالي، فإن الدفع بهذا التبرير لا يعدو أن يكون غطاءً لاجتهاد تضييقي يفتقر إلى السند القانوني الواضح.
التجارب المقارنة بدورها لا تسند هذا التوجه الإقصائي. ففي العديد من الأنظمة القانونية، يُسمح للأساتذة الجامعيين بممارسة المحاماة، بل يُنظر إلى ذلك كقيمة مضافة، لأنه يعزز جودة البحث العلمي ويربطه بالواقع العملي. فلماذا نختار نحن طريق الانغلاق، في وقت يتجه فيه العالم نحو التكامل والانفتاح؟
إن مهنة المحاماة اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من القيود، بل إلى نفس جديد، إلى كفاءات متعددة المشارب، وإلى جسور متينة مع الجامعة. أما منطق الإقصاء والاحتكار، فلن يؤدي إلا إلى إضعاف المهنة وعزلها عن محيطها الطبيعي.
لذلك، فإن إعادة النظر في المادتين 13 و14 من مشروع القانون لم تعد مجرد مطلب فئوي، بل ضرورة إصلاحية تهم مستقبل العدالة في المغرب. المطلوب ليس فقط إلغاء التنافي، بل الإقرار الصريح بإمكانية الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة، ورفع القيود غير المبررة، مثل شرط الاستقالة أو تحديد سن 55 سنة.
في النهاية، القضية ليست دفاعًا عن فئة، بل دفاع عن فكرة: أن القانون لا يُبنى في القاعات الدراسية وحدها، ولا يُمارس في المحاكم وحدها، بل يولد من التفاعل الخلاق بينهما. وكل محاولة لفصل هذا التفاعل، هي في حقيقتها إضعاف لمنظومة العدالة برمتها.