بقلم : المحامية أنديرا الزهيري ، رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات

يُعدّ الحق بالملكية من أقدس الحقوق التي كرّسها القانون اللبناني، وقد أحاطه النظام العقاري بسلسلة من الضمانات القانونية والتنظيمية بهدف تثبيته وحمايته من النزاع أو الضياع.

غير أنّ هذا النظام، رغم متانته النظرية، يواجه تحديات جدية في الواقع، لا سيما في المناطق الجنوبية، سواء الممسوحة أو غير الممسوحة، أو تلك التي تعرّضت للحروب والقصف، حيث تتعرض السجلات الورقية لخطر التلف أو الضياع نتيجة سياسات الأرض المحروقة والاستهداف الممنهج لمقومات العيش والاستقرار.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة قراءة بعض الأدوات التقليدية، مثل “العلم والخبر”، وحتى صكوك الملكية، وربطها بإمكانات التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

ينطلق النظام العقاري اللبناني من مبدأ أساسي مفاده أن الملكية لا تُكتسب ولا تُنقل ولا تُعدّل في المناطق الممسوحة إلا من خلال التسجيل في السجل العقاري، وهو ما كرّسته نصوص القرار رقم 188 ل.ر. (نظام السجل العقاري) الصادر عام 1926، حيث تنصّ المادة الأولى منه على أن الحقوق العينية العقارية لا يكون لها وجود قانوني تجاه الغير إلا بعد تسجيلها.

كما تؤكد المواد اللاحقة على القوة الثبوتية للقيود العقارية، بحيث يُعدّ السجل العقاري المرجع النهائي لإثبات الملكية.غير أن هذا النموذج يصطدم بواقع المناطق المدمّرة كليًا، حيث تداخلت الحدود وانمحت معالمها، وكذلك بالمناطق غير الممسوحة التي تغيب فيها الصحائف العقارية النهائية.

ففي هذه الحالات، يلجأ الأفراد إلى وسائل بديلة لإثبات حقوقهم، في ظل غياب قرارات ومراسيم التحديد والتحرير، سواء الإلزامية أو الرضائية، ومن أبرز هذه الوسائل ما يُعرف بـ“العلم والخبر” الصادر عن المختار.

ولا يمكن اختزال “العلم والخبر” بمجرد إفادة إدارية بسيطة، بل يشكّل في الممارسة الواقعية أداة توثيق فعليّة تُسهم في تثبيت الوقائع المرتبطة بالحيازة ووضع اليد.

فعندما يُدوَّن في سجلات المختار ويستند إلى شهود ومعرفة محلية، يكتسب قيمة تنظيمية مهمّة، إذ يحدّ من النزاعات عبر توثيق حالة الحيازة في سجل يمكن الرجوع إليه.

ورغم أنه لا يرقى إلى مرتبة السند العقاري النهائي، إلا أنه يشكّل عنصرًا داعمًا في الإثبات أمام القضاء، ويساهم في ضبط الادعاءات العشوائية.غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في طبيعة هذه الوسائل، بل في هشاشتها أمام الأزمات.

فالسجلات الورقية، سواء في الدوائر العقارية أو لدى المخاتير، تبقى عرضة للتلف أو الضياع، خصوصًا في ظل الحروب والكوارث.

وقد أظهرت التجارب أن استهداف المراكز والإدارات الرسمية يؤدي إلى فقدان العديد من المستندات والمحاضر وقيود الملكية والحقوق الأخرى، ما يفتح الباب أمام فوضى قانونية ونزاعات طويلة الأمد، وقد يفسح المجال أمام شبكات التزوير والاستيلاء على أملاك الغير.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة التفكير في آليات حفظ الملكية، عبر الانتقال من النموذج الورقي التقليدي إلى نموذج رقمي متكامل. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا محوريًا في هذا التحول، ليس فقط كأداة تقنية، بل كعنصر بنيوي في إعادة تنظيم الثقة القانونية.إن مكننة السجلات العقارية وربطها بخوادم مركزية آمنة يتيح حفظ البيانات بشكل دائم، مع إنشاء نسخ احتياطية موزعة جغرافيًا تحميها من الضياع في حال استهداف أي مركز رسمي.

كما يمكن إدخال وثائق مثل “العلم والخبر” ضمن هذا النظام، بحيث تُرقمن وتُربط ببيانات دقيقة تعزز من موثوقيتها.أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يساهم في تحليل البيانات، وكشف التناقضات، وربط المعلومات بين السجلات المختلفة، ما يحدّ من التزوير ويعزز الشفافية، فضلًا عن دعم الجهات القضائية والإدارية في اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة.

في المقابل، فإن نجاح هذا التحول يتطلب تحديثًا تشريعيًا يعترف بالوثائق الرقمية ويمنحها الحجية القانونية، إلى جانب وضع أطر صارمة لحماية البيانات وضمان الأمن السيبراني، وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على إدارة هذا النظام بكفاءة.

في الخلاصة، يقف النظام العقاري اللبناني أمام فرصة تاريخية للانتقال من الهشاشة الورقية إلى الأمان الرقمي.

وفي هذا المسار، لا يُلغى دور الأدوات التقليدية كـ“العلم والخبر”، بل يُعاد توظيفها ضمن منظومة حديثة قادرة على حماية الحقوق، ليس فقط في زمن الاستقرار، بل أيضًا في قلب الأزمات، حيث تصبح حماية الملكية جزءًا لا يتجزأ من حماية الكيان القانوني للدولة نفسها