معًا لبناء جيل المستقبل: معركة الوعي في زمن الفوضى الرقمية
بقلم : الأستاذة المحامية الحقوقية ابتسام الإسماعيني.
في تقديري، ونحن نعيش عصرًا تتسارع فيه التحولات بشكل غير مسبوق، لم يعد الحديث عن تربية الأجيال ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة وجودية تفرض نفسها على كل مجتمع يسعى إلى الاستمرار والتقدم. إنني أرى يوميًا، من خلال متابعتي للشأن العام، كيف تتداخل الحقائق مع الأوهام، وكيف أصبح الوعي ميدانًا مفتوحًا لصراعات خفية، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية.
أطرح على نفسي، كما أطرحه على كل أسرة وكل مؤسسة: من يشكّل وعي أبنائنا اليوم؟ وهل نحن نُعد جيلًا قادرًا على قيادة المستقبل بثقة، أم نتركه يتخبط في فوضى رقمية لم نُحسن نحن، ككبار، تأطيرها؟
من وجهة نظري، لا يمكن اختزال بناء جيل المستقبل في المدرسة وحدها. الأمر أعمق من ذلك بكثير. إنه مشروع مجتمعي متكامل تتقاطع فيه أدوار الأسرة، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، بل وحتى المنصات الرقمية التي أصبحت فاعلًا رئيسيًا في تشكيل القناعات والسلوكيات.
لقد لمستُ أن مواقع التواصل الاجتماعي تحمل في طياتها مفارقة واضحة؛ فهي تفتح آفاقًا واسعة للتعلم والانفتاح، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى مصدر للتضليل، والتنمر، وإفراغ القيم من معناها الحقيقي. وهو ما يدفعني إلى التأكيد على أن الإشكال ليس في الوسيلة، بل في كيفية استخدامها.
وألاحظ، كما تشير إليه العديد من التقارير، أن شريحة واسعة من الشباب باتت تعتمد على الإنترنت كمصدر أول للمعلومة، دون التحقق من صحتها. هذا الواقع، في تقديري، يهدد بخلق وعي هش، سريع التأثر، وقابل للتوجيه في أي اتجاه. كما أن هيمنة المحتوى السريع والسطحي تُضعف مهارات التفكير النقدي، وتُكرّس ثقافة الاستهلاك بدل ثقافة الإنتاج.
لكنني، في المقابل، أؤمن بأن هذا التحدي يحمل في طياته فرصة حقيقية. فإذا استثمرنا في التربية الرقمية، وركزنا على تنمية التفكير التحليلي لدى أبنائنا، يمكننا تحويل هذه الوسائل إلى أدوات تمكين حقيقية. إن تعليم الطفل كيف يطرح السؤال، وكيف يميز بين المعلومة الصحيحة والزائفة، هو في حد ذاته بناء لدرع واقٍ يحميه في المستقبل.
ولا يفوتني هنا التأكيد على أن الأسرة، في نظري، تبقى الحصن الأول والأكثر تأثيرًا. فالحوار الصادق مع الأبناء، والمتابعة الواعية، وغرس القيم منذ الصغر، كلها عناصر أساسية في بناء توازنهم النفسي والفكري. كما أن المدرسة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تراجع أساليبها، وأن تنتقل من منطق التلقين إلى منطق الإبداع وتنمية المهارات.
أما الإعلام، فأراه يتحمل مسؤولية أخلاقية جسيمة. فالكلمة التي تُنشر اليوم لم تعد مجرد خبر، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن تقديم محتوى هادف ومسؤول لم يعد خيارًا، بل واجبًا.
في ختام هذا الطرح، أؤكد أن معركة بناء جيل المستقبل ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. إنها مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود وصدق الالتزام. نحن أمام فرصة حقيقية لصناعة جيل واعٍ، ناقد، مبدع، ومتشبث بهويته. فإما أن نكون جزءًا من هذا البناء، أو نتحمل مسؤولية التقصير في حق أجيال قادمة.