الأستاذة ابتسام الإسماعيني: المسطرة المدنية ليست مجرد نص قانوني… بل ثورة صامتة داخل المحاكم
في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المشهد القضائي، يبرز مشروع تحديث قانون المسطرة المدنية كواحد من أبرز الأوراش الإصلاحية التي تروم إعادة صياغة العدالة بشكل أكثر نجاعة ووضوحًا. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتعديل نصوص قانونية، بل بإعادة بناء فلسفة العمل القضائي برمته. في هذا السياق، يأتي البرنامج التكويني الشامل حول مستجدات قانون المسطرة المدنية كرافعة أساسية لتأهيل القضاة ومواكبة هذا التحول.
للحديث أكثر عن هذا الورش الطموح، يحاور موقع "لكل الأسرة" الأستاذة ابتسام الإسماعيني، محامية بهيئة الدار البيضاء، التي تقدم قراءة دقيقة وعميقة في خلفيات وأهداف هذا البرنامج، وتكشف أبعادًا غير متداولة حول تأثيره الحقيقي على العدالة في المغرب.
* بداية، أستاذة ابتسام، كيف يمكن توصيف هذا البرنامج التكويني؟ هل هو مجرد دورة تكوينية أم مشروع إصلاحي أعمق؟
بصراحة، من الخطأ اختزال هذا البرنامج في كونه مجرد تكوين تقني أو دورة عابرة. نحن أمام مشروع إصلاحي متكامل يواكب تحولًا نوعيًا في قانون المسطرة المدنية. الهدف الأساسي ليس فقط تعريف القضاة بالمقتضيات الجديدة، بل توحيد الرؤية التطبيقية لهذه النصوص داخل مختلف محاكم المملكة. لأننا نتحدث عن قانون إجرائي، وأي اختلاف في تأويله ينعكس مباشرة على حقوق المتقاضين وعلى جودة العدالة.
* تحدثتم عن توحيد الرؤية… لماذا يشكل هذا الأمر أولوية اليوم؟
لأن التفاوت في التطبيق كان أحد التحديات الكبرى التي تواجه العدالة. نفس النص قد يُفهم ويُطبق بطرق مختلفة من محكمة إلى أخرى، وهذا يخلق نوعًا من عدم الاستقرار القانوني. البرنامج التكويني يسعى إلى خلق لغة قضائية مشتركة، قائمة على فهم موحد لفلسفة النص، وليس فقط لحرفيته.
* ما الذي يميز مستجدات قانون المسطرة المدنية مقارنة بما كان معمولًا به سابقًا؟
المستجدات عميقة جدًا، وتمس جوهر العمل القضائي. نحن أمام انتقال من مسطرة تقليدية يغلب عليها الطابع الشكلي، إلى مسطرة أكثر مرونة وفعالية، تضع القاضي في قلب العملية القضائية كفاعل نشط وليس مجرد حكم محايد ينتظر ما يُعرض عليه.
كما أن هناك توجهًا واضحًا نحو تسريع الإجراءات، تبسيط المساطر، وتعزيز الرقمنة، وهو ما سيغير بشكل جذري طريقة اشتغال المحاكم.
* هل يمكن القول إن دور القاضي نفسه قد تغير؟
بالتأكيد. القاضي لم يعد مجرد مطبق للنصوص، بل أصبح مدبرًا للإجراءات ومسؤولًا عن حسن سير الدعوى. هذا التحول يتطلب تكوينًا عميقًا، ليس فقط في القانون، بل أيضًا في مهارات التدبير والتواصل واتخاذ القرار.
* كيف يساهم هذا البرنامج في تحسين جودة الأداء القضائي؟
من خلال تمكين القضاة من فهم الخلفيات الفكرية والفلسفية للنصوص الجديدة، وليس فقط قراءتها بشكل سطحي. عندما يفهم القاضي "لماذا" وُضع النص، يصبح أكثر قدرة على تطبيقه بشكل سليم. وهذا ينعكس مباشرة على جودة الأحكام، سرعتها، وانسجامها.
* هل يمكن أن يلمس المواطن العادي أثر هذا التكوين؟
نعم، وهذا هو الهدف النهائي. المواطن سيلاحظ فرقًا في سرعة البت في القضايا، وضوح الإجراءات، وتقليص التعقيدات. العدالة لن تبقى مجرد مسار طويل ومعقد، بل ستصبح أكثر قربًا وفعالية.
* ما هو التحدي الأكبر في تنزيل هذه المستجدات على أرض الواقع؟
التحدي الحقيقي ليس في النص، بل في العقليات. أي إصلاح قانوني يحتاج إلى مواكبة بشرية وفكرية. تغيير طريقة التفكير والتعامل مع المساطر هو الرهان الأكبر، وهذا ما يسعى إليه البرنامج التكويني.
* في خضم هذا الإصلاح، هل يكفي تحديث النصوص القانونية لتحقيق عدالة فعالة؟
في الحقيقة، الأمر لا يتعلق فقط بالنصوص، بل بوعي المواطن أيضًا. إصلاح العدالة لا يقتصر على تحديث القوانين أو تطوير المساطر، بل يمتد إلى ترسيخ وعي حقيقي لدى المواطن بأهمية هذه النصوص وكيفية تطبيقها. لأن القانون لا يكتمل أثره إلا عندما يُفهم ويُستوعب من طرف من يُفترض أن يحميهم.
* ماذا تقصدون بوعي المواطن في هذا السياق؟
أقصد أن جزءًا من التحدي اليوم هو أن يكون المواطن واعيًا بأن النصوص القانونية لا تُطبق بشكل متساوٍ أو تلقائي دائمًا. قيمتها الحقيقية تظهر عند حسن فهمها وتطبيقها من طرف الفاعلين القضائيين، وأيضًا عند وعي المتقاضين بحقوقهم وواجباتهم داخل هذا الإطار.
* وهل لهذا الوعي تأثير مباشر على جودة العدالة؟
بالتأكيد. فكلما ارتفع مستوى الوعي القانوني لدى المجتمع، كلما أصبحت العدالة أكثر نجاعة ووضوحًا، وأقرب إلى تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، وهي الإنصاف وحماية الحقوق.
* أخيرًا، كيف ترون مستقبل العدالة في ظل هذه التحولات؟
أنا متفائلة جدًا. نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء ثقة المواطن في العدالة. إذا تم تنزيل هذه الإصلاحات بشكل سليم، سنكون أمام منظومة قضائية أكثر نجاعة، شفافية، وإنصافًا.
في الختام:
بين النص والتطبيق، وبين الإصلاح والطموح، يظل الرهان الحقيقي هو تحقيق عدالة تليق بتطلعات المواطن. ومن خلال هذا البرنامج التكويني، يبدو أن المسطرة المدنية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها: الفعالية، الوضوح، والإنصاف.