في واقعٍ باتت فيه الأخبارُ تسبق التثبت، وتعلو فيه الرواياتُ على ميزان الحقيقة…، يجد المسؤولون العموميون أنفسهم في قلب عواصف إعلامية قد تبدأ بتسجيل مجهول وتنتهي باتهامات واسعة الانتشار. هذا ما يعيشه اليوم وزير الداخلية السيد عبد الوافي لفتيت، بعد جدلٍ متصاعد حول صفقة عقارية مزعومة في ضواحي مراكش.

لكن، بين الروايات المتداولة والوقائع القانونية، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام قضية حقيقية أم مجرد زوبعة إعلامية غذّتها التأويلات؟

بدأت القصة بتداول تسجيل صوتي على نطاق واسع، يتحدث فيه شخص يُفترض أنه مطّلع على تفاصيل صفقة عقارية، مدعيًا وجود “ظروف غير عادية” رافقت عملية شراء عقار من طرف شركة، مع ربط غير مباشر باسم السيد لفتيت. وسرعان ما انتشرت الرواية، متحوّلة من مجرد تسجيل غير موثق إلى مادة دسمة للنقاش والتأويل.
غير أن التدقيق في المعطيات المتاحة يكشف أن التسجيل يفتقر إلى عناصر التحقق الأساسية: لا هوية مؤكدة للمتحدث، ولا وثائق رسمية داعمة، ولا تحقيق قضائي يثبت صحة الادعاءات. وهو ما يضعه في خانة “المعطيات غير المؤكدة” أكثر من كونه دليلًا قاطعًا.

في المقابل، برز صوت مهني من قلب الملف، تمثل في الموثقة التي أشرفت على العملية، والتي خرجت لتوضح أن الصفقة، كما جرى توثيقها، تمت وفق القوانين والمساطر الجاري بها العمل. وأكدت أن دورها يقتصر على توثيق الاتفاق بين الأطراف، وأن جميع الإجراءات تمت بشكل قانوني وتحت رقابة الجهات المختصة،
نافية وجود أي تلاعب أو خرق.

هذا المعطى يطرح زاوية أخرى للنظر:
ففي الوقت الذي تُبنى فيه الاتهامات على تسجيلات غير مؤكدة، تستند الرواية المقابلة إلى إطار قانوني واضح وشهادة مهنية مباشرة.

الأمر لا يقف عند حدود الوقائع، بل يمتد إلى سياق أوسع، حيث يرى متابعون أن مثل هذه القضايا كثيرًا ما تتحول إلى أدوات ضغط إعلامي، خاصة عندما تتعلق بشخصيات في مواقع حساسة. فوزارة الداخلية، التي يقودها السيد. لفتيت، تُعد من أهم المؤسسات السيادية، ما يجعل كل ما يرتبط بها محط اهتمام، وأحيانًا استهداف.

في الختام :

بين ضجيج الإشاعات وثقل القانون، تبقى الحقيقة رهينة الأدلة لا الانطباعات. وحتى اللحظة، لا يوجد ما يثبت قانونيًا وجود تجاوز في الملف العقاري المنسوب إلىالسيد عبد الوافي لفتيت، في مقابل تأكيدات مهنية بأن الأمور جرت وفق المساطر المعمول بها.
وفي زمن الإعلام المفتوح، قد يكون التحدي الأكبر ليس في الوصول إلى المعلومة، بل في التمييز بين ما يُقال… وما يُثبت.