حين تتوارى ملامح الروح خلف زحام الانشغالات اليومية، ويغدو الإنسان غريبًا عن صوته الداخلي، تبرز بعض النصوص كواحاتٍ من الصفاء، تعيد ترتيب الفوضى الوجدانية وتمنح القارئ لحظة صدق نادرة مع ذاته. ومن بين هذه النصوص، يسطع نصٌّ يحمل حسًّا إنسانيًا رفيعًا، يفتح أبواب التأمل ويقود إلى عوالم من السكينة العميقة.

تأتي قصيدة “نوراليا الذهبية” للشاعرة الكاتبة فاطمة معروفي، كنصٍّ مشبعٍ بالصدق الروحي والتأمل العميق، حيث تمتزج اللغة الشفافة بنداءٍ داخلي يعكس رحلة الإنسان في البحث عن ذاته والعودة إلى خالقه.

تفتتح الشاعرة نصها بنداءٍ مفعم بالرجاء:

“ردَّني إليك ردًّا جميلاً.”
وهو دعاء يحمل في طياته كل معاني الانكسار والرجوع، ليضع القارئ منذ البداية أمام حالة وجدانية صادقة، تتجلى فيها إنسانية الإنسان حين يرهقه التيه ويشتاق إلى الطمأنينة.

ثم تتوالى الاعترافات في نبرةٍ هادئة لكنها عميقة:
“تعبتُ…
حتى ظننتُ أني ضعتُ عني،
فناديتُ: يا رب… دلّني عليّ.”
هنا، لا تبحث الشاعرة عن العالم الخارجي، بل عن ذاتها التي تاهت وسط الضجيج، في لحظة إدراك مؤلمة لكنها ضرورية. هذا التحول من الخارج إلى الداخل يشكّل جوهر النص، ويمنحه بعدًا فلسفيًا وروحيًا في آنٍ واحد.

وتأتي الإجابة الإلهية كوميض نور:
“ارجعي…
فإنكِ ما خُلقتِ لِتُكسَري،
بل لِتعودي إليّ كلما انكسرتِ.”
هذه الأسطر تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع الألم؛ فالكسر ليس نهاية، بل بداية طريق نحو العودة، نحو الترميم الإلهي الذي يمنح للإنسان معنى جديدًا لضعفه.

وتستمر الرحلة، حيث تعلن الشاعرة قرارها الحاسم:
“فعدتُ…
إلى رب العباد لا إلى العباد
ولا إلى الوجوه التي أنهكت روحي،
بل عدتُ إلى نفسي… حيث يسكن نورك.”
إنها عودة مزدوجة: إلى الله، وإلى الذات الحقيقية. وهنا تكمن قوة النص، إذ يربط بين الصفاء الداخلي والقرب الإلهي، في صورة شعرية رقيقة وعميقة في آنٍ واحد.

ولا تغفل الشاعرة عن لحظة المواجهة مع النفس:
“فوجدتُها تبكي،
فمسحتُ دموعها بذكرك،
وقلتُ لها:
حسبكِ… قد إنتهى التيه.”
مشهد إنساني بامتياز، حيث تتحول الذات إلى كيانٍ يُواسى ويُحتضن، في دلالة على التصالح الداخلي الذي لا يتحقق إلا عبر الذكر والوعي.

ويبلغ النص ذروته في مناجاةٍ خالصة:
“يا رب…
أعوذُ بك منك إليك،
وأفرُّ من ضعفي إلى رحمتك،
فلا تتركني لنفسي إن غفلت،
ولا تُرجعني لما أوجعني.”
هنا تتجسد قمة التواضع الإنساني، حيث يدرك الإنسان محدوديته ويطلب الحماية من ذاته قبل أي شيء آخر، في خطابٍ روحاني يلامس أعماق القارئ.

وتختتم الشاعرة نصها بإعلانٍ ناضج:
“أنا الآن…
عبدٌ عرف الطريق،
وقلبٌ تعلّم أن لا يطرق إلا بابك.
فردَّ لي نفسي…
وردَّني إليك ردًّا جميلاً.”
نهاية تحمل يقينًا وطمأنينة، وتؤكد أن الرحلة لم تكن عبثية، بل كانت طريقًا نحو النضج الروحي والوعي الحقيقي.

في “نوراليا الذهبية”، لا تقدم فاطمة معروفي مجرد نص شعري، بل تكتب تجربة إنسانية متكاملة، تلامس القارئ بلغة صادقة وصور شفافة. إنه نص يعيد طرح أسئلة الذات، ويقود القارئ بهدوء نحو الإجابة: أن العودة إلى الله هي الطريق الأقصر للعودة إلى النفس.

بقلم : الشاعرة الكاتبة فاطمة معروفي

ردَّني إليك ردًّا جميلاً.
تعبتُ…
حتى ظننتُ أني ضعتُ عني،
فناديتُ: يا رب… دلّني عليّ.
فجاءني النداء:
ارجعي…
فإنكِ ما خُلقتِ لِتُكسَري،
بل لِتعودي إليّ كلما انكسرتِ.
فعدتُ…
إلى رب العباد لا إلى العباد
ولا إلى الوجوه التي أنهكت روحي،
بل عدتُ إلى نفسي… حيث يسكن نورك.
فوجدتُها تبكي،
فمسحتُ دموعها بذكرك،
وقلتُ لها:
حسبكِ… قد إنتهى التيه.
يا رب…
أعوذُ بك منك إليك،
وأفرُّ من ضعفي إلى رحمتك،
فلا تتركني لنفسي إن غفلت،
ولا تُرجعني لما أوجعني.
أنا الآن…
عبدٌ عرف الطريق،
وقلبٌ تعلّم أن لا يطرق إلا بابك.
فردَّ لي نفسي…
وردَّني إليك ردًّا جميلاً.