تشهد التحولات الاجتماعية تصاعدًا مستمرًا في التحديات التي تواجه المرأة والأسرة، الأمر الذي يفرض بروز مبادرات مدنية تسعى إلى إحداث أثر حقيقي بعيدًا عن الخطاب الشكلي والشعاراتي..
ومن بين هذه المبادرات، تفرض “جمعية سيدتي المغربية” حضورها كإطار جمعوي يشتغل على الأرض، قريبًا من الناس، ومنحازًا لقضايا النساء في وضعيات صعبة.
وفي هذا الحوار الخاص، الذي خصّ به موقع “لكل الأسرة”، يفتح لنا رئيس الجمعية وليد بنسليمة قلبه للحديث عن التجربة، التحديات، الرهانات، والجانب الإنساني الخفي وراء العمل الجمعوي، في لقاء لا يكتفي بالأسئلة التقليدية، بل يغوص في العمق الإنساني والفكري للمشروع.


*، بدايةً، من هو وليد بنسليمة بعيدًا عن صفته كرئيس جمعية؟

أنا في الأصل إنسان قبل أي صفة. ابن بيئة مغربية بسيطة تعلّمت فيها أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدّمه للآخرين، لا بما يملكه. العمل الجمعوي بالنسبة لي لم يكن اختيارًا مهنيًا بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لفكرة أن المجتمع لا يُبنى إلا بالتكافل.

* كيف وُلدت فكرة “جمعية سيدتي المغربية”؟

الفكرة جاءت من ملاحظة بسيطة لكنها مؤلمة: هناك نساء كثيرات يعشن في صمت، يعانين دون صوت، ودون سند.
كنت أرى أن التدخل الفردي غير كافٍ، وأنه يجب خلق إطار منظم قادر على التحرك، الاستماع، والمرافقة. هكذا وُلدت الجمعية، من الحاجة وليس من التخطيط البيروقراطي.

* لماذا التركيز على المرأة تحديدًا؟

لأن المرأة هي مركز التوازن داخل الأسرة والمجتمع. عندما تتعرض المرأة للهشاشة، يتأثر الطفل، والأسرة، والمجتمع ككل.
نحن لا نتحدث فقط عن دعم اجتماعي، بل عن إعادة بناء حياة كاملة.

* ما هي أبرز أنواع التدخلات التي تقوم بها الجمعية؟

عملنا يتوزع على عدة مستويات:
الدعم الاجتماعي المباشر
المواكبة النفسية
الوساطة الاجتماعية في بعض الحالات
التوعية القانونية
والمساعدة في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي
نحن نحاول ألا نكون مجرد جمعية “مساعدة لحظية”، بل مرافِق دائم.

* هل تواجهون صعوبات ميدانية؟

بكل تأكيد. أصعب ما نواجهه ليس فقط نقص الإمكانيات، بل أحيانًا عمق المعاناة الإنسانية نفسها.
هناك حالات تتجاوز قدرة الكلمات، وتتطلب صبرًا طويلًا وتدخّلًا متعدد الأطراف.

* كيف تموَّل الجمعية؟ وهل يؤثر ذلك على استقلاليتكم؟

نحن نعتمد على مزيج من المبادرات الذاتية وبعض الشراكات والدعم التضامني.
الاستقلالية بالنسبة لنا خط أحمر، لأن أي عمل اجتماعي يفقد روحه إذا خضع لحسابات غير إنسانية.

* يُقال إن العمل الجمعوي في المغرب أصبح مزدحمًا، ما الذي يميزكم؟

الفرق ليس في الاسم، بل في الفعل.
نحن نؤمن بالحضور الميداني، بالاستماع المباشر، وبالعمل الذي لا يُبنى على الصورة الإعلامية فقط.
قد لا نكون الأكبر، لكننا نطمح أن نكون الأقرب.

* هل تتعاملون مع حالات معقدة تتطلب تدخلًا قانونيًا أو مؤسساتيًا؟

نعم، في بعض الحالات نشتغل كوسيط بين الأسرة والمؤسسات المعنية، سواء في الجانب الاجتماعي أو القانوني، مع احترام كامل للإجراءات الرسمية.
هدفنا ليس التعويض عن المؤسسات، بل المساعدة على تقريب الحلول.

*، كيف ترى وضع المرأة اليوم في المجتمع المغربي؟

هناك تطور مهم مقارنة بالماضي، لكن لا يمكن إنكار وجود فجوات اجتماعية واقتصادية ما تزال تؤثر على فئات واسعة.
المرأة اليوم أكثر حضورًا، لكن ما زال الطريق طويلًا نحو المساواة الفعلية في بعض المجالات.

* هل هناك قصة أثرت فيك شخصيًا خلال عملك؟

هناك قصص كثيرة لا يمكن نسيانها.
لكن ما يترك أثرًا دائمًا هو رؤية امرأة تستعيد قدرتها على الحياة بعد أن كانت على وشك الانهيار.
هذه اللحظات هي التي تجعلنا نستمر.

* ما هي رسالتك للمجتمع؟

رسالتي بسيطة: لا أحد يُصلح المجتمع وحده.
نحتاج إلى وعي جماعي بأن كل فرد يمكن أن يكون جزءًا من الحل، حتى ولو بكلمة، أو دعم، أو مبادرة صغيرة.

* وأخيرًا، ما هو حلمك المستقبلي للجمعية؟

حلمي أن تصبح الجمعية نموذجًا في العمل القريب من الإنسان، وأن تتحول من مجرد مبادرة إلى ثقافة اجتماعية قائمة على التضامن الحقيقي، لا الظرفي.

* الختام

في نهاية هذا اللقاء، لا يبدو وليد بنسليمة مجرد رئيس جمعية، بل فاعل يؤمن بأن التغيير الاجتماعي يبدأ من التفاصيل الصغيرة، ومن الإصغاء قبل الحلول، ومن الإنسان قبل المشروع.
قد تكون “جمعية سيدتي المغربية” واحدة من العديد من المبادرات المدنية، لكنها في هذا الحوار تبدو وكأنها مساحة تُختبر فيها فكرة بسيطة لكنها عميقة:
أن الإنسانية ليست شعارًا… بل ممارسة يومية.