في مشهد يفيض بالأصالة ويزدان بروح الإبداع، احتضنت مدينة آسفي حدثًا استثنائيًا أعاد الاعتبار لذاكرة المطبخ المغربي، وفتح بوابة واسعة نحو العالمية. مهرجان الطبخ العريق، الذي اختار لنفسه شعارًا بليغًا “نكهات من الماضي على مائدة الوطن”، لم يكن مجرد تظاهرة احتفالية عابرة، بل شكل لحظة ثقافية وإنسانية عميقة، تماهى فيها عبق التاريخ مع نبض الحاضر، لتُروى قصة وطن عبر أطباقه.

وقد استهلت فعاليات هذا الحدث بكلمة افتتاحية مؤثرة ألقتها السيدة الشاف نادية العبدية، رئيسة المهرجان، حيث قالت:
“بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
السيد العامل المحترم، السيد رئيس المجلس الإقليمي المحترم، السيد رئيس المجلس الجماعي المحترم، السادة ممثلو السلطات المحلية والأمنية، السادة المنتخبون، السادة الشركاء والداعمون، السيدات والسادة الحضور الكريم، ضيوفنا الأكارم من داخل المغرب وخارجه،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته…”

كلمة حملت في طياتها روح المسؤولية وعمق الانتماء، وعكست الرؤية التي يقوم عليها هذا المهرجان، باعتباره مساحة للاحتفاء بالتراث، ومنصة لتثمين المطبخ المغربي كأحد أعمدة الهوية الوطنية.

تحت رعاية رسمية وحضور وازن لشخصيات مؤسساتية ومنتخبين وشركاء وفاعلين، أعطيت الانطلاقة الرسمية لمهرجان الطبخ العريق بمدينة آسفي، في أجواء امتزج فيها الفخر بالمسؤولية، والاحتفاء بالالتزام. وقد شكّل هذا الحدث منصة جامعة لمختلف الفاعلين في مجال فنون الطهي، ومناسبة لتجديد العهد مع التراث المغربي الأصيل.

وقد عرف المهرجان مشاركة أزيد من 60 عارضًا من مختلف جهات المملكة، إلى جانب حضور دولي متميز لأكثر من 80 شيفًا يمثلون ثقافات ومطابخ متعددة من مختلف أنحاء العالم، ما أضفى على التظاهرة بعدًا عالميًا وجعل من آسفي ملتقى حقيقيًا لتلاقح التجارب وتبادل الخبرات.

ولعل أبرز لحظة خطفت الأنظار وأثارت إعجاب الحاضرين، كانت تقديم أكبر طبق “رفيسة” بقطر بلغ 4 أمتار و25 سنتيمترًا، في إنجاز استثنائي يعكس حجم الجهد الجماعي الذي بُذل خلف الكواليس. هذا العمل لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تخطيط دقيق، ودراسات معمقة، وتنسيق محكم بين طهاة مبدعين وخبراء في فنون الطهي التقليدي.

الرفيسة، هذا الطبق المغربي العريق، لم تُقدَّم فقط كإنجاز رقمي أو استعراضي، بل كرمز ثقافي وروحي عميق. فهي تجسد قيم الكرم والتقاسم، وترتبط بجذور ضاربة في التاريخ، خاصة وأن “الثريد” المكون الأساسي لها يُعد من الأطباق التي كانت محببة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم، لما يحمله من بساطة وغنى غذائي ودلالات إنسانية راقية.

وفي هذا السياق، أكد المنظمون أن الهدف من هذه المبادرة يتجاوز حدود الاحتفال، ليصل إلى تثمين الموروث الثقافي، وتعزيز مكانة المطبخ المغربي كرافد من روافد الهوية الوطنية، ورافعة للتنمية السياحية والاقتصادية. كما يسعى المهرجان إلى دعم الطاقات الشابة، وفتح آفاق جديدة أمام الكفاءات الوطنية لإبراز إبداعاتها في مجال الطبخ التقليدي والعصري.

ولم يفت المنظمين توجيه عبارات الشكر والامتنان لكافة الشركاء والداعمين، وعلى رأسهم الداعم الرسمي “ظامتي”، إلى جانب السلطات المحلية والأمنية، والمجالس المنتخبة، وكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذا الحدث، من طهاة ومتطوعين وإعلاميين.

في الختام،
لم يكن مهرجان الطبخ العريق بآسفي مجرد موعد احتفالي، بل إعلانًا صريحًا عن تشبث المغاربة بجذورهم، وإيمانهم بأن المطبخ ليس مجرد وصفات، بل هو ذاكرة وهوية ورسالة حضارية. وبين نكهات الماضي وإبداع الحاضر، تكتب آسفي فصلًا جديدًا في قصة المغرب مع العالم
قصة تُروى بطعم الانتماء، وتُحكى بلغة الذوق الرفيع.