وسط زخم إعلامي متشابك تتداخل فيه الروايات وتتسابق فيه المنصات على نقل الحدث، تبرز الكلمة الصادقة كقيمة نادرة قادرة على إحداث الفرق، حين تتحول من مجرد خبر إلى رسالة تمس عمق الإنسان وتعكس نبض المجتمع.

في هذا السياق، تلمع أسماء إعلامية اختارت أن تجعل من المهنة التزاماً ومن الكلمة مسؤولية. ومن بين هذه الأسماء، تبرز الإعلامية والصحفية المغربية مهى الفلاح كأحد الأصوات التي لم تكتفِ بنقل الخبر، بل جعلت من الصحافة جسراً لقضايا الإنسان والمجتمع، خصوصاً الفئات الهشة وقضايا المرأة.

في هذا الحوار الخاص مع موقع "لكل الأسرة"، نقترب أكثر من مسيرتها وتجربتها ورؤيتها للإعلام.

* بداية، كيف تعرفين نفسك للقراء؟ ومن هي مهى الفلاح بعيداً عن الميكروفون والكاميرا؟

أعرّف نفسي كصحفية اختارت منذ البداية أن تجعل من الكلمة مسؤولية ومن الإعلام رسالة. أنا ابنة هذا المجتمع، أعيش قضاياه اليومية وأحاول نقلها بصدق ووعي، لأنني أؤمن بأن الكلمة يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً في حياة الناس.

بدأت مسيرتي في مجال الصحافة والإعلام سنة 2015، حيث حرصت على التكوين الأكاديمي والتطبيقي من خلال الدراسة بعدد من المعاهد المتخصصة، من بينها معهد Smart Key بالفحيرة، ومعهد مصر المحروسة بجمهورية مصر العربية، إضافة إلى معهد EPAG بالرباط، الذي تم اختياري للدراسة فيه ضمن نخبة من المراسلين المتفوقين.

حصلت على عدة شواهد في المجال السمعي البصري، وواكبت مختلف الدورات التكوينية المرتبطة بالميدان، إيماناً مني بأن الإعلام مجال متجدد يفرض على المشتغلين به مواكبة مستمرة. لم تكن البدايات سهلة، إذ واجهت تحديات متعددة، لكن بالإصرار والعمل الجاد تمكنت من تجاوزها.

اشتغلت مع عدد من المواقع والمجلات داخل المغرب وخارجه، ما أتاح لي اكتساب تجربة مهنية مهمة أسهمت في صقل رؤيتي الإعلامية. وبعيداً عن الميكروفون والكاميرا، أنا إنسانة بسيطة تؤمن بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل التزام أخلاقي وإنساني تجاه المجتمع.

* اخترتِ التركيز على القضايا الاجتماعية والإنسانية، ما الذي جذبك إلى هذا المجال تحديداً؟

لأن هذه القضايا تمس جوهر الحياة اليومية. عندما نغطي معاناة فئة مهمشة أو نسلط الضوء على مبادرة إنسانية، فنحن لا ننقل خبراً فقط، بل نمنح صوتاً لمن لا صوت لهم. هذا هو جوهر الإعلام الحقيقي في نظري.

* لك حضور لافت في قضايا حقوق الإنسان وتمكين المرأة، كيف تقيمين وضع هذه القضايا اليوم؟

هناك تطور ملحوظ، لكن الطريق لا يزال طويلاً. الإعلام يلعب دوراً محورياً في التوعية والدفع نحو التغيير، وأنا أحرص دائماً على أن تكون تغطيتي منصفة وعادلة، تعكس الواقع دون تجميل أو تهويل.

* تم تكريمك في عدة مناسبات، خاصة خلال شهر مارس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ماذا يعني لك هذا التقدير؟

هو شعور جميل ومسؤولية أكبر في الوقت نفسه. التكريم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب مزيداً من العطاء. أعتبره اعترافاً بقيمة العمل الإعلامي الهادف، ودافعاً للاستمرار بنفس الروح.

* كيف ترين دور الإعلام في دعم الأشخاص في وضعية إعاقة والفئات الهشة؟

الإعلام يجب أن يكون منصة للإنصاف. عندما نسلط الضوء على هذه الفئات، فإننا نساهم في إدماجها داخل المجتمع ونكسر الصور النمطية المرتبطة بها. هذا واجب مهني وإنساني في آن واحد.

* ما الذي يميز تجربتك في تغطية اللقاءات الفكرية والوطنية؟

أحرص دائماً على تقديم محتوى عميق ومبسط في الوقت نفسه، لأن هذه اللقاءات ليست حكراً على النخبة، بل يجب أن تصل أفكارها إلى الجميع. التحدي يكمن في تحويل النقاشات المعقدة إلى مادة إعلامية قريبة من المواطن.

* في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، كيف تحافظين على مصداقيتك المهنية؟

من خلال التدقيق في المعلومات والابتعاد عن منطق السبق على حساب الحقيقة. السرعة مهمة، لكن المصداقية أهم. الجمهور اليوم أصبح أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى السطحي.

* ما الرسالة التي توجهينها للصحفيين الشباب؟

أن يؤمنوا برسالتهم، وأن يتحلوا بالصبر والمثابرة. الصحافة ليست طريقاً سهلاً، لكنها مهنة نبيلة لمن يخلص لها. والأهم أن يكون لديهم حس إنساني قبل أي مهارة تقنية.

* أخيراً، ما هي طموحات مهى الفلاح في المستقبل؟

أطمح إلى تطوير تجربتي أكثر، والانفتاح على مشاريع إعلامية جديدة تخدم المجتمع، وتمنح مساحة أكبر للقضايا التي تستحق أن تُروى، وأن يظل للإعلام دوره الحقيقي في صناعة الوعي والتغيير.

* في الختام

بين شغف المهنة ونبض الإنسانية، تواصل مهى الفلاح كتابة مسيرتها الإعلامية بحبر من الالتزام والإحساس العميق بالمسؤولية. قصة تعكس أن الصحافة حين تُمارس بصدق، تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير، وصوتٍ يحمل هموم الناس نحو أفق أوسع من الأمل.