الدكتورة عفاف بن يطو تكشف: من التشنجات إلى التوحد… علامات خفية لاضطرابات النمو العصبي
بين حدس أم يلتقط تفاصيل دقيقة في سلوك طفلها، ومحاولة أب لطمأنة نفسه بأن “الأمر طبيعي”، تبدأ قصص كثيرة لاضطرابات عصبية قد تبدو صامتة في بدايتها، لكنها تحمل تأثيرًا عميقًا على مسار نمو الطفل. من نوبات التشنج المفاجئة، إلى تأخر اللغة، وصولًا إلى اضطرابات طيف التوحد… يبقى السؤال الحاسم: متى نطمئن؟ ومتى نتحرك؟
في هذا الحوار مع موقع "لكل الأسرة"، نسلّط الضوء على هذا الملف الحساس مع الدكتورة عفاف بن يطو، اختصاصية طب الأطفال وأمراض الجهاز العصبي، لفهم العلامات المبكرة واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
* ما الذي يميز طب أعصاب الأطفال عن طب الأعصاب العام؟
الفرق جوهري. دماغ الطفل في حالة نمو مستمر، وأي اضطراب، حتى لو بدا بسيطًا، قد يؤثر على تطوره الحركي واللغوي والمعرفي. في طب أعصاب الأطفال، لا نتعامل مع مرض فقط، بل نتابع مسار نمو كامل، وهذا يتطلب فهمًا دقيقًا لكل مرحلة عمرية.
* ما أكثر الحالات شيوعًا في العيادة؟
نستقبل طيفًا واسعًا من الحالات، أبرزها نوبات التشنج والصرع، تأخر النطق والكلام، اضطرابات طيف التوحد، تأخر النمو الحركي، وصعوبات الانتباه والتعلم. وهذه الحالات لا يمكن تقييمها بشكل سريع أو سطحي، بل تحتاج إلى تقييم شامل ودقيق يأخذ بعين الاعتبار كل أبعاد تطور الطفل.
* كيف يميز الأهل بين التأخر الطبيعي والاضطراب المرضي؟
صحيح أن هناك فروقًا فردية بين الأطفال، لكن توجد علامات إنذار لا ينبغي تجاهلها، مثل تأخر الجلوس أو المشي مقارنة بالعمر المتوقع، غياب أو ضعف التواصل البصري، عدم الاستجابة للاسم، أو فقدان مهارات مكتسبة سابقًا. في هذه الحالات، يجب استشارة مختص دون تأخير، لأن عامل الوقت قد يصنع فرقًا كبيرًا.
* نوبات التشنج عند الأطفال: هل هي دائمًا خطيرة؟
نوبات التشنج هي نتيجة نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ، وقد تظهر على شكل حركات لا إرادية أو فقدان للوعي. ليست دائمًا خطيرة، فبعض النوبات قد تكون عابرة مع تطور بسيط وبدون مضاعفات، كالنوبات المرتبطة بالحمى، لكن في حالات أخرى قد تكون مؤشرًا على اضطراب عصبي أعمق مثل الصرع، وهنا تكمن أهمية التشخيص الدقيق.
* ما الفرق بين النوبة العابرة والصرع؟
النوبة العابرة تحدث مرة واحدة بسبب عامل مؤقت، مثل مرض حاد، جفاف شديد، أو حتى سقوط على الرأس، أما الصرع فهو تكرار النوبات دون سبب عابر واضح. التشخيص يعتمد على التكرار، السياق السريري، ونتائج الفحوصات.
* كيف يجب أن يتصرف الأهل أثناء النوبة؟
الإجراءات الأساسية تشمل وضع الطفل على جانبه، إبعاد الأشياء التي قد تسبب له الأذى، عدم إدخال أي شيء في فمه، ومراقبة مدة النوبة بدقة. وإذا استمرت أكثر من خمس دقائق، يجب التوجه فورًا إلى المستشفى.
* التوحد : ما هو من الناحية الطبية؟
اضطراب طيف التوحد هو اضطراب في النمو العصبي يظهر قبل سن الثالثة، ويؤثر على التواصل اللغوي، التفاعل الاجتماعي، وأنماط السلوك. ويوصف بأنه طيف لأن الأعراض وشدتها تختلف بشكل كبير من طفل لآخر.
* هل هناك سبب محدد للتوحد؟
لا يوجد سبب واحد مؤكد. تشير المعطيات العلمية إلى تداخل عدة عوامل، منها عوامل جينية، اختلافات في تطور الدماغ، وعوامل مناعية أو بيئية محتملة. ولا يوجد إلى اليوم سبب واحد قاطع يمكن اعتماده لتفسير جميع الحالات.
* ما العلامات التي يجب أن ينتبه لها الأهل؟
من أبرز المؤشرات المبكرة عدم الاستجابة للاسم، ضعف التواصل البصري، تأخر أو فقدان اللغة، الانعزال الاجتماعي، الحركات المتكررة مثل رفرفة اليدين، أو الحساسية المفرطة للأصوات أو اللمس. وفي كثير من الأحيان، يكون إحساس الأم بأن هناك شيئًا غير طبيعي هو أول مؤشر يستحق الانتباه.
* هل يمكن التشخيص المبكر؟
لا يتم تثبيت التشخيص النهائي عادة قبل عمر سنتين، لكن يمكن رصد مؤشرات مبكرة تستدعي التدخل. وكلما كان التدخل مبكرًا، كانت النتائج أفضل بشكل ملحوظ.
* كيف يتم التشخيص؟
يعتمد التشخيص على الفحص السريري الدقيق، التاريخ المرضي، وتقييم التطور العصبي. وقد يتطلب الأمر إجراء تخطيط الدماغ، التصوير الطبي، أو تحاليل مخبرية، وغالبًا ما يتم ضمن مقاربة متعددة التخصصات.
* هل هذه الاضطرابات قابلة للعلاج؟
يختلف ذلك حسب الحالة. بعض الحالات تتحسن بشكل كبير، وأخرى يمكن التحكم فيها وتحسين مسارها. في التوحد لا يوجد علاج شافٍ، لكن توجد تدخلات فعالة تشمل علاج النطق، العلاج السلوكي، العلاج الحركي، وأدوية لبعض الأعراض المصاحبة. الهدف هو تعزيز قدرات الطفل وتحسين جودة حياته.
* ما تأثير الشاشات على نمو الطفل؟
الاستخدام المفرط للشاشات قد يؤدي إلى تأخر في اللغة، ضعف في التركيز، واضطرابات في النوم، لذلك يُنصح بتقنين استخدامها خاصة في السنوات الأولى من العمر.
* ما دور الأسرة؟
دور الأسرة محوري لا يمكن تعويضه، ويشمل الالتزام بالعلاج، متابعة تطور الطفل، توفير بيئة مستقرة نفسيًا، وتجنب العوامل المحفزة للنوبات. الأسرة ليست مرافقة للعلاج فقط، بل هي جزء أساسي من نجاحه.
* كلمة أخيرة للأهل
لا تتجاهلوا الإشارات المبكرة، ولا تعتمدوا على التطمينات غير المبنية على تقييم علمي. التدخل في الوقت المناسب قد يغير مسار الطفل بالكامل.
* في الختام
ليست كل إشارة مقلقة تعني خطرًا، لكن تجاهلها قد يكون نقطة تحول غير مرغوبة. بين النوبات وتأخر النمو واضطرابات التوحد، يبقى الوعي المبكر هو المفتاح. في طب أعصاب الأطفال، لا يُقاس النجاح فقط بالعلاج، بل بقدرتنا على التقاط الإشارات في وقتها، لأن كل لحظة وعي قد تعني فرصة حقيقية لطفل كي ينمو كما يجب