عائشة الشفيعي: نراهن على القراءة لبناء إنسانٍ واعٍ في زمن السرعة الرقمية
في لحظةٍ يشتد فيها إيقاع التحول الرقمي، ويتسابق فيها كل شيء نحو الشاشة في عالمٍ لا يعرف التوقف...، تبرز مبادرات ثقافية شابة تسعى إلى إعادة الاعتبار لفعل القراءة كرافعة أساسية لبناء الوعي الفردي والجماعي. من بين هذه الأصوات، تلمع تجربة الباحثة والفاعلة الثقافية المغربية عائشة الشفيعي، التي اختارت أن تجعل من الكتاب مشروع حياة، ومن العمل الميداني أداة لتغيير واقع ثقافي يصفه كثيرون بـ"المقلق".
وفي هذا الحوار، الذي أجرته مع موقع لكل الأسرة، تكشف عائشة اشفيعي عن مسارها الأكاديمي، وتفاصيل انخراطها في شبكة القراءة بالمغرب، إلى جانب رؤيتها لمستقبل القراءة في ظل التحولات الرقمية، ورهاناتها وتحدياتها في العمل الثقافي والمدني
* بداية، من هي عائشة اشفيعي؟ وكيف تشكل مسارك الأكاديمي والمهني؟
أحب أن أعرف عن نفسي، كوني باحثة في سلك الدكتوراه بكلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أشتغل على تقاطعات علوم التربية والجماليات والعلوم الرقمية، وهو مجال أراه حيويًا لفهم التحولات التي يعيشها الإنسان اليوم. تخرجت من المعهد الملكي لتكوين أطر الشبيبة والرياضة بالرباط، تخصص تربية الطفولة الصغرى، وهو ما منحني قاعدة صلبة للاشتغال على قضايا التربية والطفولة. كما أن ارتباطي بالعمل بوزارة الشباب والثقافة والتواصل أتاح لي فرصة الانخراط بشكل أعمق في العمل الميداني.
* لك حضور بارز في العمل الثقافي، خصوصًا داخل شبكة القراءة بالمغرب. كيف تصفين هذه التجربة؟
شبكة القراءة بالمغرب هي تجربة نابعة من إحساس جماعي بواقع ثقافي يحتاج إلى تدخل فعلي. هي ليست مجرد إطار تنظيمي، بل مشروع ميداني يسعى إلى إعادة الاعتبار للقراءة داخل المجتمع. من خلال رئاستي لفرع مراكش وقبلها فرع كلميم وعضويتي في المكتب الوطني، اشتغلنا على مبادرات متعددة شملت المؤسسات التعليمية، والفضاءات العمومية، والمخيمات، ودور الشباب وحتى المؤسسات السجنية ومركز حماية الطفولة. نحاول أن نجعل القراءة فعلًا يوميًا ومتاحًا للجميع.
* كيف تتعاملون كممثلين للمجتمع المدني مع مجتمع لا يضع القراءة ضمن أولوياته؟
أعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر. نحن لا نشتغل من موقع التنظير، بل من أرض الواقع. الشبكة كانت رد فعل على وضع متأزم، لذلك اخترنا العمل الميداني المباشر. صحيح أن الإمكانيات محدودة، لكننا نراهن على الاستمرارية والتراكم. نصل إلى الناس حيث هم: في المدارس، في الحدائق، في الشواطئ، في دور الشباب. نؤمن أن التغيير يبدأ بخطوات صغيرة لكنها ثابتة.
* في ظل هيمنة التكنولوجيا، كيف يمكن تنمية حب القراءة لدى الأطفال؟
المسألة مرتبطة أساسًا بالتربية على القراءة، وليس فقط بتوفير الكتب. إذا نشأ الطفل في بيئة تشجع على القراءة، فستصبح جزءًا من حياته اليومية. لا يمكننا إنكار دور التكنولوجيا، بل بالعكس، يمكن توظيفها بشكل إيجابي. الكتب الرقمية اليوم تسهل الوصول إلى المعرفة، لكن التحدي هو خلق شغف حقيقي بالقراءة، وهذا يبدأ من الأسرة والمدرسة.
* ما هو دور مؤسسات الشباب في دعم هذا المشروع الثقافي؟
أعتقد أن مؤسسات الشباب تمثل فضاءات مهمة يمكن أن تحتضن الفعل الثقافي، خاصة القراءة. نحن في راكمنا تجربة إدماج القراءة داخل هذه الفضاءات، حيث أطلقنا برنامج القراءة في دور الشباب منذ ثلاث سنوات وعدد دور الشباب المنخرطة في تزايد، وهو ما يعكس اهتمامًا متناميًا بهذا المشروع.
* إلى جانب العمل الثقافي، لديك اهتمامات أدبية وإعلامية، حدثينا عنها؟
الكتابة بالنسبة لي امتداد طبيعي للعمل الثقافي. اشتغلت على نصوص قصصية سابقاً، أذكر من بينها قصة منشورة "لعنة الطفولة" التي حاولت من خلالها ملامسة قضايا اجتماعية حساسة . كما أقدم محتوى رقمياً عبر منصة أنستغرام يشجع على ممارسة فعل القراءة، وأجد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام فضاءات للنقاش حول مواضيع ثقافية وتربوية بطريقة مبسطة وقريبة من الجمهور.
* تُعرفين أيضًا بنشاطك الحقوقي، خاصة في قضايا المرأة. كيف ترين هذا البعد في تجربتك؟
لا يمكن فصل العمل الثقافي عن البعد الحقوقي. الثقافة هي مدخل أساسي لبناء الوعي بالحقوق. اشتغالي على قضايا النساء ينبع من قناعة بأن التغيير يبدأ بالمعرفة، وأن القراءة يمكن أن تكون أداة لتحرير الفكر وتعزيز المساواة.
* ما هي رسالتك اليوم للمجتمع، وللمهتمين بالفعل الثقافي؟
رسالتي بسيطة: القراءة ليست رفاهية، بل ضرورة. أدعو كل الجمعيات والمبادرات والمؤسسات التعليمية إلى الانخراط في هذا الورش الجماعي. بناء مجتمع قارئ هو أساس بناء مجتمع واعٍ وقادر على مواجهة التحديات.
* في الختام
بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني، تنسج عائشة الشفيعي تجربة شابة تراهن على الثقافة كأداة للتغيير، وعلى القراءة كفعل مقاومة في وجه السطحية والتسارع الرقمي. تجربة تؤكد أن الرهان الحقيقي ليس فقط في نشر الكتب، بل في صناعة إنسان قارئ… يفكر، ويسائل، ويصنع مستقبله بوعي.
