من صمت الطفولة إلى برلمان الطفل: رضا اشتيا… صوت الأمل الذي أعاد تعريف الإعاقة
تحت القيادة الرشيدة لمولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وبالرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، التي تترأس المرصد الوطني لحقوق الطفل، تتعزز الجهود الوطنية للنهوض بحقوق الطفولة، خاصة الأطفال في وضعية إعاقة، عبر تمكينهم من إيصال أصواتهم، وحمايتهم، ومنحهم مكانة مستحقة داخل المجتمع، بل وحتى داخل مؤسسات تمثيلية كبرلمان الطفل.
في هذا السياق الإنساني النبيل، تبرز قصة “ رضا اشتيا” كواحدة من أكثر القصص إلهامًا وعمقًا، قصة لا تروي فقط رحلة طفل مع تأخر النطق وصعوبات التعلم، بل تحكي أيضًا عن أمٍ استثنائية، آمنت بقدرة ابنها حين شكك الآخرون، وصنعت من التحدي رسالة حياة.
البداية: صمت يثير الأسئلة
وُلد رضا اشتيا كغيره من الأطفال، لكن السنوات الأولى كشفت عن تحدٍ حقيقي: تأخر واضح في النطق وصعوبات في التواصل. مرّت الأيام ثقيلة على الأسرة، بين زيارات الأطباء ومحاولات التشخيص، دون نتائج فورية. لم يكن التحدي طبيًا فقط، بل امتد إلى محيطه المدرسي، حيث واجه صعوبات في الاندماج والتفاعل.
الأم… حين تتحول الأمومة إلى رسالة
أمام هذا الواقع، اتخذت والدة رضا قرارًا مصيريًا: لن تنتظر الحلول، بل ستصنعها.
بحكم عملها كمعلمة في التعليم الابتدائي، وبمساندة من المفتش التربوي السيد محمد بن أحمد، حصلت على إذن خاص لتدريس ابنها داخل إطار تعليمي موجه. فرافقت رضا خطوة بخطوة، ودرّسته من المستوى الأول إلى الرابع ابتدائي، داخل بيئة آمنة ومتكيفة مع احتياجاته.
حولت المنزل إلى فضاء تعليمي حي، واستخدمت كل الوسائل الممكنة: التكرار، التحفيز، اللعب، والتواصل المستمر. لم تكن مجرد أم، بل كانت معلمة، ومعالجة، وداعمة نفسية.
نقطة التحول: حين بدأ الصوت يظهر
بمرور الوقت، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجيًا. لم يكن الأمر مجرد نطق كلمات، بل تطور في الفهم، والتفاعل، والاستجابة.
وكان للبيئة الأسرية دور حاسم؛ إذ أن أشقاء رضا كانوا يدرسون في نظام تعليمي يعتمد اللغة الإنجليزية، ما جعل هذه اللغة حاضرة بقوة داخل البيت. من خلال الأفلام، والرسوم المتحركة، والبرامج الوثائقية، بدأ رضا يكتسب اللغة بشكل طبيعي.
والمفاجأة؟
كانت أولى كلماته… باللغة الإنجليزية، وبطلاقة لافتة.
التحديات التعليمية: نظام لا يراعي الفروق
رغم هذا التقدم، واجهت الأسرة تحديًا جديدًا: النظام التعليمي.
إذ يُفرض على الأطفال مسار دراسي يعتمد الفرنسية، وهو ما شكل صعوبة كبيرة لرضا، الذي لا يتقن العربية أو الفرنسية بالشكل الكافي، بينما يتحدث الإنجليزية بطلاقة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا:
لماذا لا يكون المسار اللغوي اختياريًا، يراعي قدرات كل طفل؟
الدعم المجتمعي: حين يؤمن الآخرون بك
لم تكن الأسرة وحدها في هذه الرحلة. فقد لعبت جمعية سفراء التربية الخاصة، برئاسة السيد محمد أوبيهي، دورًا مهمًا في دعم رضا، والإيمان بموهبته وتميزه.
هذا الدعم ساهم في فتح آفاق جديدة أمامه، ومكّنه من الاندماج والمشاركة في أنشطة مجتمعية وتكوينية.
الإنجاز: من طفل صامت إلى صوت يمثل الآخرين
اليوم، لم يعد رضا ذلك الطفل الذي عانى في صمت.
بل أصبح:
• طفلًا برلمانيًا لولاية 2026–2028
• ممثلًا لجهة مراكش-آسفي
• صوتًا للأطفال في وضعية إعاقة، ينقل معاناتهم واحتياجاتهم
• مشاركًا في دورات تكوينية متقدمة
كما أن له اهتمامات متعددة تعكس شخصيته المتكاملة:
التمثيل، الملاكمة، الموضة، التصوير، وعالم السيارات.
رسالة أم… وتجربة تُلهم مجتمعًا
لم تتوقف رحلة الأم عند ابنها فقط، بل تحولت تجربتها إلى رسالة.
فهي اليوم تشرف على إحدى قاعات الموارد للتأهيل والدعم بمدينة مراكش
وتأهيل الأطفال في وضعية إعاقة، وتعمل على تعليمهم ومساندة أسرهم.
وبفضل تجربتها، استطاعت أن تساعد أطفالًا آخرين على النطق والتواصل، بما في ذلك أطفال من طيف التوحد.
رسالة إنسانية: الإعاقة ليست النهاية
قصة رضا ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل دعوة لإعادة التفكير في نظرتنا للإعاقة.
هؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى:
• فهم حقيقي
• بيئة داعمة
• فرص عادلة
• إيمان بقدراتهم
فالفرق الحقيقي لا تصنعه الإعاقة، بل يصنعه الدعم.
خاتمة: حين يصبح الصوت أقوى من الصمت
قد يتأخر الصوت…
لكن حين يأتي، قد يحمل قوة تفوق كل التوقعات.
رضا اليوم ليس فقط قصة نجاح، بل رسالة أمل لكل أسرة:
الطريق قد يكون طويلاً، لكنه ليس مستحيلاً… حين يقترن بالإيمان والعمل.
