في سياق مهني وسياسي دقيق، يعود النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة بالمغرب إلى الواجهة، بعد إدخال تعديلات وُصفت بـ"الجوهرية"، أعادت فتح باب الحوار بين الحكومة والهيئات المهنية. وبين من يرى في هذه التعديلات خطوة إيجابية، ومن يعتبرها دون مستوى تطلعات المهنة، يظل السؤال المركزي قائماً: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم مجرد إعادة صياغة للأزمة؟
في هذا الحوار، مه موقع لكل الأسرة تقدم الأستاذة ابتسام الإسماعيني، المحامية بهيئة الدار البيضاء، قراءة تحليلية معمقة لمستجدات المشروع، كاشفة عن أبعاده القانونية والمهنية.

* كيف تقرئين ما وُصف بـ"الخرق الإيجابي" في تدبير أزمة مشروع القانون؟

لا يمكن إنكار حدوث تحول في المقاربة، حيث انتقلنا من منطق التوتر إلى منطق الحوار، وهو في حد ذاته مؤشر إيجابي. غير أن هذه الإيجابية تبقى نسبية، لأن العبرة ليست بالتصريحات أو النوايا، بل بمدى تجسيد هذه التعديلات في نص قانوني واضح يضمن التطبيق الفعلي. نحن أمام قانون يؤطر مهنة أساسية في منظومة العدالة، وبالتالي يجب أن تكون ضماناته صلبة وغير قابلة للتأويل.

* هل يشكل تعزيز استقلالية المهنة وحماية سرية العلاقة بين المحامي وموكله مكسباً حقيقياً؟

من حيث المبدأ، نعم، هذا مكسب جوهري، لأن سرية العلاقة بين المحامي وموكله تمثل ركيزة أساسية للعدالة. لكن الإشكال لا يكمن في المبدأ، بل في الصياغة القانونية: هل هي محكمة بما يكفي لمنع أي تأويل قد يفتح الباب أمام تدخلات إدارية أو أمنية؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي.

* ما دلالة تعديل مساطر التبليغ وعدم اعتماد عنوان البطاقة الوطنية؟

قد يبدو الأمر تقنياً، لكنه في الواقع مهم جداً. اعتماد عناوين غير مهنية كان يخلق إشكالات تتعلق بالخصوصية وبسير العمل المهني. هذا التعديل يعكس نوعاً من الوعي بطبيعة المهنة، ويؤكد أن التفاصيل الصغيرة قد تحمل آثاراً كبيرة على مستوى الممارسة اليومية.

* كيف تقيمين الإبقاء على جمعية هيئات المحامين مقابل إلغاء فكرة المجلس البديل؟

هذا قرار مهم، لأنه يحافظ على تمثيلية مهنية تاريخية ويجنب المهنة ازدواجية التمثيل. لكن يجب التأكيد أن الإشكال ليس في التسمية، بل في كيفية توزيع السلطة داخل هذه المؤسسات، بما يضمن استقلال القرار المهني وعدم تركيزه في جهة واحدة.

* خفض سن الولوج إلى المهنة إلى 21 سنة… انفتاح أم مخاطرة ؟

هو قرار يحمل بعدين. من جهة، يفتح المجال أمام الشباب ويسرع إدماجهم في سوق العمل. ومن جهة أخرى، يطرح تساؤلات حول مستوى النضج القانوني والأخلاقي المطلوب لممارسة مهنة المحاماة. لذلك، يجب أن يوازي هذا التوجه نظام تكوين صارم يضمن جودة التأهيل.

* هل يكفي تشديد العقوبات لمحاربة السمسرة وانتحال صفة محامٍ؟

النصوص وحدها غير كافية. هذه الظواهر مرتبطة بسياق اجتماعي ومهني معقد. صحيح أن الردع ضروري، لكن الأهم هو تفعيل آليات المراقبة والتطبيق الصارم للقانون، وإلا ستبقى هذه المقتضيات مجرد نصوص دون أثر فعلي.

* لماذا لا تزال الهيئات المهنية متمسكة بحقها في الترافع أمام البرلمان؟

لأن المشروع، رغم التعديلات، لا يزال يطرح إشكالات جوهرية. الترافع أمام البرلمان ليس مواجهة مع الدولة، بل ممارسة ديمقراطية تهدف إلى ضمان توازن النص القانوني وحماية استقلالية الدفاع.

* هل حقق المشروع مكاسب حقيقية مقارنة بالقانون الحالي؟

بكل صراحة، لا يمكن الحديث عن مكاسب حقيقية. صحيح أن هناك تراجعاً عن بعض المقتضيات التي كانت تُعتبر "كارثية" في النسخة السابقة، لكن ذلك يندرج ضمن منطق "تقليل الخسائر" وليس تحقيق مكتسبات.
كنا ننتظر من هذا التعديل:

• تعزيز استقلال المهنة عن وزارة العدل والنيابة العامة

• توسيع مجالات اشتغال المحامي

• تقوية حصانة الدفاع

• ضمان محاكمة تأديبية عادلة عبر فصل سلطات المتابعة والحكم

• تعزيز دور الجمعية العامة ومجالس الهيئات

لكن للأسف، المشروع لم يستجب لهذه الانتظارات.

* ما أبرز الملاحظات السلبية على المشروع في صيغته الحالية؟

يمكن تلخيصها في نقاط أساسية:

• تقليص مجال عمل المحامي وفتح المجال أمام فئات أخرى، بما فيها محامون أجانب

• التضييق على حصانة الدفاع، خصوصاً بحذف ضمانات كانت تمنع اعتقال المحامي أثناء الجلسات

• توسيع دور النيابة العامة في المسطرة التأديبية بشكل غير متوازن

• الإبقاء على اختلالات المسطرة التأديبية دون إصلاح حقيقي، خاصة غياب فصل السلطات

• اختلال التوازن داخل مؤسسات الهيئة، من خلال تركيز صلاحيات واسعة بيد النقيب، خاصة في تحديد جدول الأعمال والدعوة للاجتماعات

* كيف تلخصين الوضع الحالي للمشروع؟

نحن أمام تقدم نسبي، لكنه غير مكتمل. بل يمكن القول إننا انتقلنا من مشروع صادم إلى مشروع أقل ضرراً، دون أن نصل إلى قانون يرقى إلى تطلعات المهنة.

* خلاصة
يبقى مشروع قانون مهنة المحاماة بالمغرب ورشاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين من يراه خطوة إصلاحية، ومن يعتبره اختباراً حقيقياً لاستقلالية المهنة. وفي ظل هذا الجدل، يواصل المحامون الترافع من أجل قانون لا يكتفي بتعديل النصوص، بل يحمي جوهر المهنة ويعزز دورها كركيزة أساسية في تحقيق العدالة.