الاستاذة ابتسام الإسماعيني تكتب: المحاماة المغربية أمام اختبار حقيقي داخل البرلمان
بقلم : الأستاذة ابتسام الإسماعيني، محامية بهيئة الدار البيضاء
تعيش مهنة المحاماة بالمغرب اليوم لحظة مفصلية، تفرض علينا، كمهنيين وفاعلين في حقل العدالة، قراءة متأنية ومسؤولة لمضامين مشروع القانون المعروض أمام مجلس النواب، في سياق لم يكن عاديًا لا من حيث خلفياته ولا من حيث مساره.
لقد أثبتت المرحلة السابقة، بما شهدته من انتفاضة مهنية قوية، أن المحاماة ليست جسدًا قابلًا للتطويع أو التهميش، بل هي قوة اقتراحية حية، قادرة على فرض صوتها والدفاع عن استقلاليتها. وما التعديلات التي طرأت على المشروع الحالي إلا نتيجة مباشرة لذلك النفس النضالي الجماعي، الذي عبّر بوضوح عن رفض أي مساس بجوهر المهنة ورسالتها.
من موقعي كمحامية، أؤكد أن القراءة الأولية للنص الجديد تكشف عن تحولات لا يمكن إنكارها مقارنة بالصيغة السابقة، وهي تحولات تستحق التنويه، لأنها تعكس تراجعًا عن اختيارات كانت ستؤدي إلى تقويض توازنات دقيقة داخل منظومة العدالة. غير أن هذا التقدم، على أهميته، لا يجب أن يحجب عنا الحاجة إلى مزيد من التدقيق والتمحيص.
إن النقاش الجاري اليوم تحت قبة البرلمان ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو محطة حاسمة ينبغي أن تُستثمر لتجويد النص، عبر إدخال تعديلات جوهرية تضمن استقلالية المهنة بشكل فعلي، وتكرّس دور الهيئات المهنية في تدبير شؤونها دون وصاية أو تدخل غير مبرر.
لقد أبانت هذه المرحلة أيضًا أن بعض الخطابات التي كانت تُقدَّم باسم الدولة والمؤسسات لم تكن تعكس حقيقة التوازنات، بل كانت تخدم مقاربات ضيقة. في المقابل، برهنت الدولة، في نهاية المطاف، على قدرتها على التفاعل مع المطالب المهنية المشروعة، وهو ما ينبغي تثمينه، دون أن يمنعنا ذلك من مواصلة اليقظة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الدلالات السياسية التي رافقت سحب الملف من يد وزير العدل وإبعاده عن لحظة التوافق، وهي خطوة تحمل رسائل واضحة حول ضرورة إعادة ضبط طريقة تدبير هذا الورش التشريعي. غير أن الأهم بالنسبة لنا، كمهنيين، ليس الأشخاص بقدر ما هو مضمون النص ومآلاته.
إن مسؤوليتنا اليوم لم تعد تقتصر على الرفض أو الاحتجاج، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يتمثل في المساهمة الفعلية في صياغة نص قانوني متوازن. وهو ما يفرض على الهيئات المهنية والجمعيات أن تبادر إلى إعداد مذكرات دقيقة، مبنية على قراءة قانونية رصينة، وتقديمها إلى المؤسسة التشريعية بمختلف مكوناتها.
إن المحاماة ليست مجرد مهنة، بل هي أحد أعمدة العدالة، وشريك أساسي في تكريس دولة الحق والقانون. وأي إصلاح تشريعي لا يستحضر هذه الحقيقة سيبقى قاصرًا عن تحقيق الأهداف المرجوة منه.
* ختامًا،
أرى أن مشروع القانون المعروض اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًا لجميع الأطراف:
للحكومة، وللمؤسسة التشريعية، ولنا كمحامين.
فإما أن ننجح في إنتاج نص يليق بمكانة المهنة ويحصّن استقلاليتها،
أو نعيد إنتاج نفس أسباب التوتر التي لا تخدم إلا إضعاف الثقة في العدالة. والمسؤولية، في تقديري، جماعية ولا تقبل التردد.