في ظل التحولات السريعة التي يشهدها مجتمعنا الحديث، وتنامي الضغوط اليومية على الأفراد، أصبحت الصحة النفسية والاجتماعية أكثر من مجرد مسألة شخصية؛ فهي ضرورة حياتية أساسية للحفاظ على توازن الفرد، الأسرة والمجتمع.
الحياة المعاصرة تمزج بين متطلبات التنمية والسعي لحياة أفضل بحكم الحصول على المعلومة و المقارنة بين الأفراد وكذلك ما توفره بلدان ومجتمعات أخرى مثل التعليم والصحة والبيئة وغيرها من رغد في المعاش اليومي سواءا كانت المعلومة واقعية أو تصور ذاتي. كل ما سلفنا ذكره يثقل كاهل الأفراد بالرغبة في التفوق وما يدفع الأفراد إلى العمل تحت الضغط والسعي إلى تحقيق كل المتطلبات الرفاه :المالية، الأسرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.مما ، مما يجعل الضغط النفسي جزءًا لا يمكن تجاهله من الواقع اليومي.

الأسرة، بوصفها النواة الأساسية للمجتمع، تلعب دورًا محوريًا في تعزيز الصحة النفسية لأفرادها، من خلال تقديم الدعم العاطفي، تشجيع التواصل الاجابي، وتهيئة بيئة آمنة لتبادل الأفكار والاراء بكل حرية. ومع توفير كل ما سبق ، كثيرًا ما تواجه الأسر صعوبات في التعاطي و التفاعل مع الصعوبات التي يعيشها بعض الأطفال واليافعين في الوسط المدرسي أو المجتمعي. أما التعرف على العلامات المبكرة للاضطرابات النفسية،و كيفية التعامل مع القلق والتوتر والاكتئاب فتبقى مرهونة بخلفية العائلة الغيرة أو الكبيرة حول الطب النفسي وما درجة التغلب على الوصم اللصيق بالاضطرابات النفسية والعقلية، خاصة في ظل انتشار مفاهيم خاطئة تقلل من أهمية الصحة النفسية .

وفي هذا الإطار، يقدّم موقع لكل الأسرة هذا الحوار المتعمق مع الدكتورة فاطمة أصواب ، أخصائية في الطب النفسي والأمراض العقلية و الاجتماعية ذات خبرة طويلة في دعم الأفراد والأسر، حيث نستعرض أبرز التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأسرة المعاصرة، ونكشف عن أساليب علمية وعملية للتعامل معها، بدءًا من الوقاية المبكرة، وصولًا إلى الدعم المهني المتخصص. كما نتعرف على كيفية بناء بيئة أسرية صحية، داعمة ومتوازنة، تمكّن كل فرد من مواجهة ضغوط الحياة بثقة ووعي، مع الحفاظ على روابط أسرية قوية وتربية إيجابية للأطفال.

كما نغوص في أسرار الصحة النفسية والاجتماعية، لنقدم لكل أسرة رؤية واضحة وشاملة تساعدها على فهم نفسها، وفهم الآخرين، وخلق حياة أكثر توازنًا وسعادة.

* دكتورة ، نبدأ معك بالسؤال الأساسي: ما المقصود بالصحة النفسية والاجتماعية؟

الصحة النفسية والاجتماعية هي حالة من التوازن الداخلي والقدرة على التكيف مع الضعوطات النفسية في الحياة اليومية. تتضمن القدرة على إدارة الانفعالات، العلاقات مع الآخرين، اتخاذ القرارات، وتحقيق الرضا الذاتي. هي ليست غياب المرض، بل وجود رفْع للقدرات النفسية والاجتماعية التي تُمكّن الفرد من مواجهة ضغوط الحياة بنجاح.

* كثير من الناس يخلطون بين الضغوط اليومية والاضطرابات النفسية، كيف نفرق بينهما؟

الضغوط اليومية شيء طبيعي يواجه الجميع، مثلاً ضغوط العمل، أو المصاريف أو العلاقات. لكن عندما تتجاوز هذه الضغوط قدرة الفرد على التكيف وتؤثر سلبًا على حياته اليومية، نومه، شهيته، علاقاته، أو أداءه، عندها قد نكون أمام حالة من القلق المَرَضي، الاكتئاب، أو اضطرابات التوتر المزمن، ويستحق التدخل المهني.

* ما أبرز علامات التحذير التي يجب ألا نتجاهلها؟

من العلامات المهمة:

• تغيّر في النوم والشهية بشكل واضح ومستمر.

• شعور دائم بالحزن، القلق،الشعور بالغربة أو فقدان الأمل.

• انسحاب اجتماعي وتجنب الأنشطة الاجتماعية والترفيهية المعتادة لدى الشخص.

• انخفاض الأداء المدرسي أو المهني أو الانقطاع عنهما.

• أفكار متكررة عن الرغبة في إيذاء الذات و الرغبة في العنف أو الانعزال عن الأسرة.

إذا وجدت هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين، يُفضّل استشارة مختص.

* ما أسباب الضغوط النفسية في الأسرة المعاصرة؟

الضغوط متعددة ومن أبرزها:

• ضغوط العمل وطول ساعات العمل أو الظروف العمل الغير اللائقة.

• الخلافات الزوجية والافكار المتباينة بخصوص تربية الأطفال.

• الانتقال من المجال القروي إلى الحضري للبحث عن العمل وحياة أفضل عدم التأقلم مع المتغيرات الكبيرة في الحياة.

• استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها السلبي على بعض الأشخاص وخصوصاً الأطفال واليافعين والشباب.منا يلقي بظلاله على العلاقة الوالدين بالأبناء

• مشاكل اقتصادية قد تؤثر على الإحساس الأمان والاستقرار.

الأسرة تعمل كمنظومة مترابطة،وخصوصا الأبوين، فإذا تأثر أحد أفرادها قد يعم عدم الاستقرار لذا الكل.

* كيف يمكن للأسرة حماية صحتها النفسية؟

هناك خطوات عملية:

• التواصل المفتوح داخل الأسرة: التحدث عن المشاعر بدون أحكام قيمة مسبقة وبدون خوف.

• تنظيم حكيم لليوم بين العمل والأسرة والراحة.

• خلق مساحات آمنة للحوار والإصغاء دون انتقاد قاسٍ.

• تعليم الأطفال مهارات التعامل مع المشاعر و تقوية الاعتزاز بالنفس مع احترام الآخر و الاختلاف في الأفكار.

• طلب الدعم المهني عند الحاجة.

* ما دور المجتمع في دعم الصحة النفسية للأفراد؟

المجتمع يمكن أن يكون داعمًا من خلال:

• نشر الوعي وتثقيف الأفراد.

• إزالة وصمة المرض النفسي.

• توفير خدمات نفسية في المدارس والأماكن العامة.

• تشجيع ثقافة المشاركة المجتمعية عبر الانخراط في شبكات المجتمع المدني والدعم الاجتماعي.

.تشجيع الأنشطة الترفيهية والتربويّة من خلال ممارسة الرياضة واستغلال أوقات الفراغ في تنمية القدرات الفنية الخلاقة لدى الأطفال

* ما أبرز المفاهيم الخاطئة المنتشرة عن الصحة النفسية؟

منها:

• أن الاضطرابات النفسية ضعف شخصية.

• أن اللجوء لمختص يعني “جنون”.

• أن الكلام وحده يكفي دون تدخل علاجي متخصص.

.مل الاضطرابات العقلية مرها التعاطي للمخدرات.

الحقيقة أن الصحة النفسية كالصحة الجسدية، تحتاج توازنًا وعلاجًا عند الحاجة.

* أخيرًا، إذا أردتِ رسالة لكل أسرة… ماذا تقولين؟

الصحة النفسية ليست خيارًا، بل هي استثمار في جودة الحيا ة لكل فرد في الأسرة. من اللازم ان نحافظ على التوازن قبل الانهيار ، وذلك بالاعتناء بالذات وجعل الهدوء و السكينة هدفا يوميا عبر أخذ قسط وفير من الراحة والنوم ومزاولة الرياضة و الاعتناء بالجانب الروحي. اعتنِ بنفسك قبل أن تنتظر الرعاية من الآخرين.

* كلمة اخيرة دكتورة :

أريد أن أؤكد لكل أسرة أن الصحة النفسية والاجتماعية ليست رفاهية، بل هي حجر أساس لحياة متوازنة وسعيدة. جميعنا نواجه ضغوطًا يومية وتغيرات في حياتنا وعلاقاتنا، وهذه أمور طبيعية، لكن المهم هو كيف نتعامل معها.

يمكن لكل فرد أن يحمي صحته النفسية عن طريق التواصل المفتوح مع أحبائه، تقديم الدعم العاطفي، تنظيم وقته، ممارسة الرياضة أو أي نشاط بدني، وعدم التردد في طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

كل فرد في الأسرة له دور مهم: ليس فقط العناية بنفسه، بل أيضًا دعم الآخرين. بالوعي والممارسات اليومية الصحيحة، يمكن للأسرة أن تبني بيئة صحية ومتوازنة تمنح الجميع القدرة على إدارة القلق، مواجهة الضغوط، والحفاظ على تماسك الأسرة وسعادتها."