في زوايا منسية من المجتمع، بعيداً عن الأضواء، يعيش أطفال لم يختاروا ظروف ولادتهم، لكنهم يدفعون ثمنها كل يوم. أطفال وُلدوا خارج إطارٍ اجتماعي قاسٍ، فوجدوا أنفسهم منذ اللحظة الأولى بلا سند أسري، في مواجهة نظرة مجتمعية لا ترحم، وأوضاع اقتصادية ونفسية معقدة. أغلب هؤلاء الأطفال هم أبناء أمهات عازبات، وجدن أنفسهن تحت ضغط الخوف والوصم، فكان التخلي في كثير من الأحيان هو الخيار الوحيد، لا عن قسوة، بل عن عجز وألم.

في هذا السياق، لا تقف المعاناة عند حدود التخلي فقط، بل تمتد أحياناً إلى ظروف حمل قاسية وغير إنسانية، قد تترك آثاراً دائمة على الطفل. قصص تختزل هشاشة الواقع الاجتماعي، وتكشف كيف يمكن لنظرة المجتمع أن تتحول إلى عامل خطر يهدد سلامة الأم والجنين معاً.

في هذا الحوار الخاص مع موقع "لكل الأسرة"، تفتح الحقوقية فاطمة الزهراء حليم هذا الملف الإنساني الحساس، من خلال تجربتها في العمل الجمعوي مع جمعية تُعنى بالأيتام والأطفال المتخلى عنهم، مسلطة الضوء على الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، وعلى التحديات التي تواجه هذه الفئة، ومقدمة رؤية واقعية للتغيير.

* بدايةً، كيف تصفين واقع الأطفال المتخلى عنهم اليوم؟

للأسف، نحن أمام واقع مؤلم. أغلب الأطفال المتخلى عنهم هم في الأصل أبناء أمهات عازبات، وجدن أنفسهن في مواجهة مجتمع قاسٍ لا يمنحهن الدعم الكافي. هؤلاء الأطفال يُحرمون منذ البداية من الحق الطبيعي في العيش داخل أسرة، ويجدون أنفسهم في جمعيات للأيتام تحاول قدر الإمكان تعويض هذا الفراغ، لكن التحديات تبقى كبيرة.

* ما الأسباب الرئيسية التي تدفع إلى التخلي عن هؤلاء الأطفال؟

السبب الأساسي هو الضغط الاجتماعي المرتبط بالوصم، خاصة تجاه الأمهات العازبات. هناك أيضاً عوامل اقتصادية، حيث تعجز بعض النساء عن تحمل تكاليف تربية طفل بمفردهن. كما أن غياب المواكبة النفسية والدعم المؤسساتي يزيد من تعقيد الوضع، فيتحول التخلي إلى حل قاسٍ لكنه متكرر.

* من خلال تجربتك، هل هناك حالة إنسانية أثرت فيك بشكل خاص؟

نعم، هناك حالة لا يمكن أن أنساها. طفلة وُلدت بإعاقة نتيجة ظروف صعبة عاشتها الأم أثناء الحمل. الأم، خوفاً من انكشاف أمر حملها، كانت تلجأ إلى شدّ بطنها بأحزمة قوية حتى لا يظهر الحمل. هذا السلوك، الذي فرضه الخوف من نظرة المجتمع، تسبب في أضرار جسيمة للجنين، لتولد الطفلة بإعاقة حركية. وقد خضعت لاحقاً لثلاث عمليات جراحية.
هذه الحالة مؤلمة جداً، لأنها تُظهر بوضوح أن السبب لم يكن بيولوجياً فقط، بل اجتماعياً بالدرجة الأولى. لو كان هناك وعي ودعم، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.

* ما طبيعة عملكِ كحقوقية في هذا المجال؟

بصفتي حقوقية، أشتغل على الدفاع عن حقوق الأيتام والأطفال المتخلى عنهم، من خلال الترافع حول قضاياهم، وتسليط الضوء على معاناتهم، والمطالبة بسياسات عمومية تضمن حمايتهم وكرامتهم. كما أواكب بعض الحالات إنسانياً واجتماعياً، خاصة تلك المرتبطة بالأمهات العازبات، في محاولة للحد من ظاهرة التخلي. غير أن التحدي يبقى كبيراً، خصوصاً في ما يتعلق بالأطفال في وضعية إعاقة، الذين يحتاجون إلى خدمات متخصصة لا تكون متوفرة دائماً.

* إلى أي حد يتحمل المجتمع مسؤولية تفاقم ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم؟

بالتأكيد، المجتمع يتحمل مسؤولية كبيرة في تفاقم هذه الظاهرة. فالنظرة السلبية والوصم الاجتماعي تجاه الأمهات العازبات يخلقان ضغطاً نفسياً هائلاً يدفع العديد منهن إلى التخلي عن أطفالهن. عندما يغيب التفهم والدعم، ويحل محلهما الحكم المسبق والإقصاء، يتحول المجتمع نفسه إلى عامل رئيسي في تعميق الأزمة. لذلك، فإن التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من تغيير العقليات، ونشر ثقافة التضامن والاحتواء بدل الإدانة.

* كيف تؤثر نظرة المجتمع على هذه الفئة؟

نظرة المجتمع هي العامل الحاسم. الوصم الاجتماعي لا يؤثر فقط على الأمهات، بل يمتد إلى الأطفال أنفسهم. هذه النظرة تخلق دائرة من الخوف والعزلة، وتجعل من الصعب كسر هذا الواقع.

* ما أبرز الحلول التي تقترحينها؟

أولاً، يجب دعم الأمهات العازبات مادياً ونفسياً لتفادي التخلي.

ثانياً، توفير مواكبة اجتماعية خلال فترة الحمل.

ثالثاً، إطلاق حملات توعية لتغيير نظرة المجتمع.

وأخيراً، تعزيز دور الجمعيات عبر دعمها بإمكانيات حقيقية.

* كلمة أخيرة؟

هؤلاء الأطفال ليسوا مسؤولين عن ظروف ولادتهم. إنهم ضحايا لواقع اجتماعي يحتاج إلى مراجعة عميقة. إنسانيتنا تُقاس بمدى قدرتنا على حماية هؤلاء الأطفال ومنحهم فرصة لحياة كريمة.

* في الختام:

بين الألم والأمل، تبقى قصص الأطفال المتخلى عنهم مرآة تعكس واقعاً يحتاج إلى تغيير جذري. فإما أن يستمر الصمت… أو نختار جميعاً أن نكون جزءاً من الحل.

Image description