في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتعدد فيه وسائل التعبير، تظل اللوحة التشكيلية واحدة من أصدق اللغات التي تنبض بالمشاعر وتروي الحكايات دون كلمات. من قلب مدينة الدار البيضاء، تبرز الفنانة التشكيلية بشرى معودي كصوت فني يحمل في ريشته مزيجًا فريدًا من الحس الإنساني والهوية المغربية الأصيلة.

رغم مسارها الأكاديمي في مجال التجارة وإدارة الأعمال، لم تستطع أن تُخمد ذلك الشغف المتقد الذي سكنها منذ الطفولة، فعادت إلى عالم الألوان بعد توقف، لتكتب فصلاً جديدًا من الإبداع والتألق.

في هذا الحوار الخاص مع موقع “لكل الأسرة”، نغوص مع بشرى في أعماق تجربتها الفنية، ونكتشف كيف تتحول لوحاتها إلى جسور تربط بين القلوب والثقافات

* بدايةً، من هي بشرى صمودي بعيدًا عن التعريف التقليدي؟

أنا فنانة تشكيلية من مدينة الدار البيضاء، لكنني في العمق إنسانة تؤمن بأن الفن ليس مجرد موهبة بل هو أسلوب حياة. درست التجارة وإدارة الأعمال، إلا أن الفن كان دائمًا جزءًا لا يتجزأ من كياني، كأنه نبض داخلي لا يمكن تجاهله. بعد فترة من التوقف، عدت إلى عالمي الحقيقي، عالم الألوان واللوحات، لأستعيد ذاتي وأعبّر عن روحي بكل صدق وحرية.

* كيف بدأت رحلتك مع الفن؟ وهل كان طريقك واضحًا منذ البداية؟

رحلتي مع الفن بدأت منذ الطفولة، حين كنت أجد في الورق مساحة مفتوحة لخلق عوالم خيالية خاصة بي. كنت أرسم بشغف بريء، دون أن أدرك أن هذا الشغف سيكبر معي يومًا بعد يوم. ورغم أنني اخترت مسارًا أكاديميًا مختلفًا في مجال التجارة وإدارة الأعمال، فإن الفن لم يغادرني أبدًا، بل ظل ينمو بصمت داخلي، حتى قررت أن أعود إليه بكل قوة ووعي.

* لماذا اخترتِ الفن تحديدًا ليكون وسيلتك للتعبير؟

لأنني ببساطة أجد نفسي فيه. الفن بالنسبة لي ليس مجرد رسم أو ألوان، بل هو لغة روحية وإنسانية عميقة، أستطيع من خلالها أن أُعبّر عن مشاعري وأفكاري بطريقة صادقة. إنه وسيلة تواصل تتجاوز الكلمات، تصل مباشرة إلى القلب والعقل في آنٍ واحد.

* متى رسمتِ أول لوحة فنية؟

كانت أول لوحة لي في سن مبكرة، تقريبًا عندما كنت في الثانية عشرة من عمري. كانت تجربة بسيطة، لكنها كانت بداية لحلم كبير لم أكن أدرك حينها حجمه وتأثيره في حياتي.

* هل واجهتِ صعوبات في مسيرتك الفنية؟

أفضل أن أسميها تحديات بدل صعوبات. كل مرحلة مررت بها كانت فرصة للتعلم والنضج الفني. هذه التحديات ساهمت في تشكيل شخصيتي الفنية، وجعلتني أكثر إصرارًا على الاستمرار والتطور.

* من كان الداعم الأكبر لكِ في هذه الرحلة؟

الداعم الأول هو إيماني بنفسي وروحي التي لم تتخلَّ عن هذا الحلم. إلى جانب ذلك، كان لزوجي وأولادي دور كبير في تشجيعي ودعمي، وهو ما منحني طاقة إيجابية للاستمرار.

* كيف تصفين لوحاتك الفنية؟

لوحاتي ليست مجرد أعمال فنية، بل هي انعكاس صادق لرحلتي، بما فيها من تحديات وانتصارات. أحاول من خلالها استكشاف آفاق جديدة، والتعبير عن مشاعر إنسانية عميقة بأسلوب يجمع بين الحداثة والأصالة.

* ما الرسالة التي تسعين لإيصالها من خلال فنك؟

أؤمن بأن الفن لغة عالمية تجمع بين القلوب والعقول. أطمح أن تكون معارضي جسورًا إنسانية تُقرب بين الناس من مختلف الثقافات والخلفيات. كما أسعى إلى توظيف فني لطرح قضايا مهمة مثل البيئة والتفاوت الاجتماعي، والمساهمة في رفع الوعي حولها.

* إلى أي مدى يؤثر التراث المغربي في أعمالك؟

التراث المغربي حاضر بقوة في لوحاتي، فهو مصدر إلهام غني بالألوان والرموز. أحاول دائمًا أن أُجسد هذا التراث بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على الإحساس الصادق الذي يميز كل عمل.

* ماذا تعني لكِ الشهرة؟

الشهرة ليست هدفًا بحد ذاتها، بل هي وسيلة لنشر رسالتي الفنية والوصول إلى جمهور أوسع، يحمل نفس الحس الإنساني والتقدير للجمال.

* من أين تستمدين إلهامك؟

إلهامي يأتي من كل ما يحيط بي؛ من الناس، من الطبيعة، من تفاصيل الحياة اليومية، ومن التراث المغربي الغني. كما أستلهم من أعمال كبار الفنانين الذين تركوا بصمات خالدة في تاريخ الفن.

* ما طموحك الفني في المستقبل؟

أسعى للوصول إلى العالمية، لكن ليس فقط من أجل الانتشار، بل لتعميق رسالتي الفنية وجعلها وسيلة للتأثير الإيجابي. أريد أن يكون فني صوتًا يعبر عن قضايا المجتمع ويُحدث فرقًا حقيقيًا.

* ما الألوان الأقرب إلى قلبك؟

أحب الأزرق الفاتح لأنه يرمز إلى السماء والصفاء، إلى جانب الأحمر والأخضر والوردي، فهي ألوان تحمل طاقة وحياة وتعكس تنوع المشاعر.

* هل شاركتِ في معارض فنية؟

نعم، شاركت في عدة معارض وطنية ودولية. كان أول معرض لي في قاعة باحنيني بالرباط، ثم شاركت في معارض في مدن مغربية مثل المحمدية وتطوان، إضافة إلى مشاركات دولية في الأردن ومصر ودبي وبلجيكا. هذه التجارب كانت مهمة جدًا في تطوير مسيرتي ونشر أعمالي.

* كيف ساعدتك وسائل التواصل الاجتماعي؟

كان لها دور كبير في التعريف بأعمالي وإيصال رسالتي إلى جمهور واسع، خاصة في ظل التطور الرقمي الذي نعيشه اليوم.

* ما النصيحة التي تقدمينها للمواهب الشابة؟

أنصحهم بالصبر وعدم مقارنة أنفسهم بالآخرين. كل فنان له مساره الخاص، والأهم هو الاستمرار والإيمان بالذات.

* كلمة أخيرة لجمهورك؟

في كل لوحة أرسمها قصة، وفي كل لون نبضة قلب. محبتكم ودعمكم هما الدافع الحقيقي الذي يجعلني أستمر وأتطور، لأقدم دائمًا ما يليق بذوقكم الراقي.

* في ختام :

هكذا تواصل بشرى صمودي رحلتها الفنية، حاملةً ريشةً تنبض بالأمل، ولوحاتٍ تختصر حكايات إنسانية عميقة، لتؤكد أن الفن ليس فقط جمالًا يُرى، بل رسالة تُحس وتُعاش.

Image description
Image description
Image description